الحرب لا تأتي إلّا بالموت والدمار والخراب والفناء، ومهما كانت المبادئ التي تتحرّك من أجلها، فإن هذه المبادئ أو المسوّغات لا يمكن أن تغسل أدران الرعب وملامح الشقاء التي تخلّفها في المجتمعات لسنين وعقود، بل وتصل إلى قرون؛ ذلك أنَّ الحرب تخالف النواميس القائمة على مبدأ الإستمرار والحياة. والحرب، مهما كانت عبثيّتها، فإنّ مدبّريها لا يمكن أن يقوموا بها دون البحث عن مسوّغات أو منطلقات، تقدّم لهم الإطار الشرعي الذي يمدّ المقاتلين بها، كي تستمرّ وتتمدّد وتتوسّع على أساس تلك المشروعية المصطنعة. ويتبيّن، من خلال مراجعة الأحداث التاريخية، أن شرعية الحرب إمّا أن تكون دينية، أو أن تكون وطنية. فالأولى تنطلق تحت غطاء مشروع ديني يسعى المحاربون فيه إلى الدفاع عن فكرة دينية محدّدة والتوسّع على أساسها، ومحاربة الآخر المختلف معه عقائديّاً تحت رايتها. أمّا الأخرى فيسعى فيها المحاربون إلى الإنطلاق في معاركهم تحت رايات وطنية، منها فرض سيادة الحكومات أو الدفاع عن سيادة بلد معيّن، أو تأديب جماعة ما لخروجها عن نهج "الإجماع الوطني"، ... إلخ.
وبظنّي، أنّ الحروب بانطلاقها تكون بمستويين، مستوى سطحي، هو الديني أو الوطني، ومستوى عميق وغير ظاهر، وهو الذي يبحث فيه المحارب عن مصالح اقتصادية ومنافع خاصّة، لا علاقة لها بالدين ولا بالوطن. وبنظرة سريعة على أغلب الحروب والنزاعات التي قامت على مرّ التاريخ، نجد أن الأساس الإقتصادي والمنافع السياسية والسلطوية هي المحرّك الحقيقيّ والأساسيّ والمغذّي الفعليّ لجذوة تلك الحروب، ولم تكن الأهداف الدينية أو الوطنية غير شعارات شرعية، تحاول تلك الحرب أن تجمّل نفسها بها، لتضع لنفسها مسوّغاً شرعيّاً لاستمرارها، ويتبيّن، من خلال القراءات، أن مدبّري تلك الحروب ومهندسيها قد استعانوا برجال الدين لتفصيل الفتاوى الدينية التي تجمّل الحرب في أنظار المقاتلين، وكذلك إعداد المحتوى الديني اللازم لجعل تلك الحرب ذات مشروعية دينية. في حين يستعين الطرف المنطلق بالحرب على أساس وطني من قاعدة عريضة، بواسطة الحشد الإعلامي والفكري والثقافي، الذي يضخّ في عقول المستهدفين فكرة عدالة القضية الوطنية التي ينبغي التضحية من أجلها. وحين تنتهي تلك الحروب، يتبيّن في النهاية، حين تنقشع تلك الغلالات الدينية والوطنية عن أعين الناس، كم أنّهم كانوا سذّجاً حين صدّقوا كلّ أولئك المهووسين بالحرب، وهم يتقلّدون المناصب السياسية، ويتقاسمون المصالح الإقتصادية المغتنمة.
وعلى الرغم من تعدّد أشكال الحروب -حروب بين الأمم وحروب بين الدول وحروب أهلية- فإنّها في مجملها تحتكم إلى هذا القانون، وهو قانون المصالح، الذي يغذّي نزعات الحرب تجاه الآخر المراد إزاحته عنها، واكتسابها لصالح الطرف المعتدي. وهنا، نكون إزاء طرف معتدى عليه بالضرورة، وجد نفسه مضطراً لخوض هذه الحرب من أجل الحفاظ عن حقّه في الحياة، والوقوف في وجه ذلك المعتدي الباحث عن مصالحه السياسية والإقتصادية والإجتماعية تحت لافتة الدين أو الوطن. فتكون هنا شرعية الدفاع عن النفس، مقابل شرعية دينية أو وطنية تتسرّب تحتها شرعية المصلحة. وللخلاصة يمكن القول: لا شرعية للحرب إلّا تلك الشرعية المنطلقة من الدفاع عن الذات، كونها هنا تتّسق مع فكرة الحياة نفسها، لا مع فكرة الموت، أي حين تكون الحرب هنا دفاعاً عن النفس من أجل البقاء والإستمرار والحياة. فالحياة إذاً هي مصدر الشرعية الوحيد لأيّ حرب.
التعليقات