كثيراً ما حاولت مواجهة هذا السؤال الذي يؤرّقني وإلى جانبي ملايين اليمنيين: ما الحلّ؟ وكنت أصل إلى لا شيء غالباً. حيث يبدو الإحباط هو المسيطر على النفوس، خاصّة حين نتعمّق في أبعاد المشكلة اليمنية بعمق، فهي تبدو أكثر تعقيداً في حقيقتها. فلدينا مشكلات متراكمة تاريخياً، ومشكلات متراكمة في الحاضر، ومن جهات مختلفة، مما يجعل مشكلات اليمن تتزاحم وتتقاطع عمودياً وأفقياً، فالمشكلات التاريخية بعضهم يعيدها إلى منتصف القرن الماضي، ومع تراكم خطايا وأخطاء الثورة التي استبدلت مستبدّاً جمهورياً بمستبدّ ملكي، ومحلّياً بأجنبي. وبعضهم يعيد المشكلة إلى أبعد من ذلك بكثير، إذ يعيدها إلى ما قبل ألف سنة، حين يجد أن كل هذه السنوات غيّبت فيها الهوية اليمنية عمداً، لتبدو هوية أخرى مشوّهة، تنتصر لذاتها، وتغيب الهوية الوطنية الجامعة.
أمّا المشكلات الحالية، التي تتمحور حول المستوى الأفقي، فهي مشكلات سياسية متعلّقة بالصراع في الشمال والجنوب والوسط، ومشكلات الفساد التي أنتجت المحسوبية والوساطة والبطالة، ومشكلات الصراع المذهبي والطائفي الذي تغذّى بداية من نبع الصراع الحادّ، الحاصل في المحيط العربي، ولكنه توسّع بعد سيطرة جماعة "أنصار الله" على السلطة في اليمن، ووصل إلى ذروته ليتحوّل إلى حرب طاحنة تحصد الأخضر واليابس، وأدّت إلى كوارث مجتمعية متناسلة، ما زالت حتّى اللحظة.
وجّه السؤال إلى خمس شخصيات ممن يمتلكون رؤى مستقلّة تعبّر عن موقف لا ينحاز إلى فكر معين؛ مما يساعد على بلورة رؤية معينة لعلّها تسهم في تشكيل هذا السؤال بصورة أوضح، ومن ثم المساعدة على تعميمه لاحقاً، أو إعادة طرحه مرّة أخرى، وعلى مستوى أوسع. هذه الشخصيات هي: حسين الوادعي، وسناء مبارك، وعبد الحكيم الفقيه، وعبد العزيز بن عقيل، وهائل المذابي.
فهم المشكلة
إن أي حلّ لا بد أن يبدأ بالفهم الدقيق لأساس المشكلة، ففهم المشكلة وتحديدها جزء أساسي من الحلّ، إذ إن وضع تصوّرات وحلول تتجاوز هذه المشكلة لن يساعد على الحلّ، بل إن ذلك ربما إنه قد يؤدّي إلى صنع مشكلات جديدة. يعبّر الكاتب هائل المذابي، من خلال فهمه للمشكلة، عن ذلك بالقول "إن اليمنيين وما يعيشونه الآن هو تجسيد لكلّ أنواع الأزمات فعلاً، فإن دقّقنا النظر سنجد أنه يعيش حروباً أهلية، ويعيش ديماغوجية، حيث يحكم الأغلبية من الشعب أنفسهم بأنفسهم، كنتيجة لتعدّد الحكومات، التي إن قبل بأحداها القليل رفض البقية ذلك الحكم، و إن تم الاتفاق على حلّ في المفاوضات فهناك أطراف ستقصى طبعاً، و هذا يجعل الاستمرار في الفوضوية وارداً".
و ترى الكاتبة، الدكتورة سناء مبارك، أن هناك الكثير من التعقيدات الموغلة في المجتمع، بتقاطعاتها القبلية، والدينية، والعسكرية، كما أن الفقر بحسب تعبيرها هو بيت الفساد، والذي بدوره أدّى إلى تجريف الكثير من القيم داخل المجتمع، وهو ما يجعل من المعالجة صعبة جدّاً. كما يرى الدكتور عبد العزيز بن عقيل أن المشكلة الأساسية في اليمن تتمثّل في تعمّق جذور التيارات التقليدية ومراكز القوى المدعومة من الدول المحيطة باليمن، والتي تتشابه في مشكلاتها الداخلية مع اليمن، إلا أن قلّة السكان ووجود مبالغ الريع النفطي هي التي تعمل على تثبيط حصول الانفجار كما هو في اليمن. فالمشكلة أيضاً هي أن الملف اليمني الداخلي بيد الاستخبارات السعودية، بوصف اليمن مسألة أمنية سعودية بالدرجة الأولى، وهذا ما يجعل من اليمن ورقة تحاول الاستخبارات أن تجعلها بيدها، فتضعف الدولة وتقوى من مراكز النفوذ. ويبيّن الكاتب والمحلّل، حسين الوادعي، أن النخب الفاسدة هي السبب الرئيس للمشكلات في اليمن، لكنه يقول إنه لا يمكن تجاوزها بأي حال، وإن كان وجودها سبباً رئيساً من أسباب الحروب.
ويفصّل الدكتور عبد الحكيم الفقيه، بصورة أوسع، طبيعة المشكلة، التي يبدو أن كل من شملهم الاستطلاع قد اتفقوا عليها، وهي فساد النخبة الحاكمة، أو بالأصحّ مراكز القوى والنفوذ الداخلي، حيث بيّن أن المشكلة الحالية هي استمرار طبيعي للخلل في منظومة الحكم والتشكيلات الجهوية للجيش وانفراد طرف معيّن بالحكم منذ قرون.
الآن... ما العمل؟
يبدو هذا هو الآخر سؤال شائك، مع تداخل المشكلات وتعقّدها في اليمن، لا سيما تلك المتعلّقة بوضعها كدولة موحّدة، في ظلّ رفض الجنوبيين لكلّ الحلول المطروحة، ومناداة الكثير منهم بالعودة إلى ما قبل العام 1990، وهو عهد الدولتين الشمالية والجنوبية، وحول الإجابة على هذا التساؤل يرى الدكتور بن عقيل أن الحلّ الأمثل هو أوّلاً قيام دولة فيدرالية في الجنوب، لكونها أقلّ تعقيداً مما هو في الشمال، ومن ثم معالجة الأوضاع والتوازنات وتفكيك مراكز النفوذ المالية والعسكرية وإقامة دولة اتحادية من اقليمين، لتفاوت التطوّر السياسي والاجتماعي بين الشطرين، لأنه في الجنوب أسس الدولة شبه الحديثة أرساها الانجليز من قبل في الأنظمة الادارية والمالية والقانونية بهذا الشكل أو ذاك. وبعد الاستقلال استمرّت هياكل الدولة الحديثة نوعاً ما موجودة. أمّا في الشمال فلم تتعرّض للتأثير الاستعماري الغربي، وظلّت على نظام الدولة التقليدية الدينية. أمّا الدكتورة سناء مبارك، فترى أن الحلّ يتمثّل في عملية سياسية شاملة، وبرعاية دولية، تصل إلى توافق سياسي بين أطراف الاحتراب في الشمال، وتفضي إلى مجلس سياسي أو عسكري مؤقّت، وسلطة فيدرالية مؤقّتة في الجنوب، تضمن انتقالاً سلساً للجنوبيين، بمدّة زمنية محدّدة، نحو الاستفتاء وتقرير المصير.
ويرى الكاتب هائل المذابي أن لا حل أمام اليمن إلا بأن يتصالح السياسيون مع أنفسهم، قبل أن يتصالحوا مع الآخرين، فهم كما يقول في حالة اضطراب نفسي، وهم السبب الرئيس في تجريف العمل السياسي. وهنا يؤكّد الكاتب حسين الوادعي أن الحلّ يتمثّل حالياً في "العودة للسياسة". فالسياسة التي تمّ تعطيلها في وقت مبكر منذ أوّل تمديد لمجلس النواب، وتأجيل للانتخابات النيابية باتفاق بين السلطة والمعارضة في اليمن. فهو لا يتوقّع حلّاً للأزمة دون التوصّل إلى اتفاق داخلي بين طرفي الصراع (الشرعية والانقلاب)، واتفاق إقليمي بين السعودية وايران لترتيب البيت اليمني في شكل "طائف" يمني، واتفاق دولي بين العالم الغربي وروسيا، حول ملامح الحل السياسي في اليمن. كما يؤكّد أن مفاوضات الكويت هي إحدى خطوات الحلّ وليست الحلّ الكامل، وكلّ ما هو مطلوب منها هو ايقاف الحرب.
ويرى الدكتور الفقيه أنه للخروج من الأزمة لا بدّ من تنفيذ القرار الأممي 2216، والعودة إلى تنفيذ مخرجات الحوار، غير هذا الكلام سيدشّن، كما يقول، "الصوملة"، وستنهار البلد وستتشظّى إلى سلطنات ومشيخات، أو ستتعدّد نماذج ميليشيا هنا وهناك، لذا الحلّ الأمثل إيقاف الحرب وانسحاب صالح والحوثي من المدن، وتسليم الأسلحة وتشكيل حكومة وطنية تعدّ الدستور للاستفتاء، وتشرف على انتخابات رئاسية وبرلمانية، طبعاً بعد إعداد جيش وطني يحلّ محلّ جيش العائلة والطائفة. إقرار الدستور يستدعي تشكيل النظام السياسي الاتحادي، وهذا سيكون له قوانينه ولوائحه المنظّمة والمستندة إلى مخرجات الحوار، ووضع الضماد لجرح القضية الجنوبية. أمّا قضية صعدة فقد تحوّلت "من المظلوم إلى الظالم"، بسبب غباء "أنصار الله" وقلّة خبرتهم السياسية، وذكاء صالح الذي أحرق كرتهم سريعاً، باستغلالهم عسكرياً في حرب عبثية دون قضية، سوى نكئ التاريخ والجغرافيا معاً.
التعامل مع المستقبل
لم تختلف كثيراً رؤى المستطلعين للحلّ لكيفية التعامل مع المستقبل. من أجل المرور بالبلد في مسار صحيح. حسين الوادعي يرى أن هذا مشوار طويل قد يأخذ عقداً كاملاً من الزمن. كما لا يمكن اختراع نخبة جديدة. النخبة الموجودة ستظلّ صانعة القرار لأمد طويل، لكن المهمّ هو التوصّل إلى أسس عادلة للسلام وبناء الدولة، وهذه الأسس ممكنة بالنضال الاجتماعي الطويل، تحت مشروع وطني. كما ترى الدكتورة سناء مبارك أنه بالفعل لا يمكن تجاوز التيارات التقليدية، ولكن ينبغي تعزيز الأطراف الأخرى إيجابياً، من أجل إضعاف تلك القوى التقليدية، وهذه المراكز الجديدة تتمثّل في المجتمع المدني، الشباب، المرأة، التيارات الحداثية، قطاع المثقفين والأكاديميين، الأحزاب والتيارات المدنية التي لم تتورّط بالفساد... إلخ. ويؤكّد الكاتب هائل المذابي أن الحلّ للمستقبل يتمثّل في تعزيز قيم الديمقراطية بوصفها النظام الأرقى الذي وصل إليه السياسيون عبر التاريخ في أنظمة الحكم، وهذا التوصيف يصدق عندما تكون الديمقراطية بديلاً سياسياً يضمن عدم الدخول في الديماغوجية والحروب الأهلية في مجتمعات الأقلّيات ومجتمعات الدول النامية المتنوّعة طائفياً وسياسياً، إن صدق عليها أنها تحتكم للديمقراطية في الحكم.
التعليقات