ترتبط حروب اليمن عبر التاريخ بالشرعية، سواءً كانت دينية أو وطنية، منذ سيف بن ذي يزن الذي استعان بالفرس من أجل استعادة شرعية ملكه الضائع الذي أخذه منه الأحباش، الذين جاءوا، هم أيضاً، حاملي شرعية نصرة المستضعفين المسيحيّين الذين اضطهدهم الملك اليمني اليهودي، ذو نوّاس. واستمرّت اليمن على مدى آلاف السنوات، منذ ذلك التاريخ، تخوض الحروب تلو الأخرى تحت راية الدفاع عن الشرعية، أو البحث عن شرعية مهما اختلفت مسمّياتها.
في الحقيقة، ليست هنا النقطة الجوهرية، فغالباً ما تكون الحرب تحت شرعية ما لكي تستمرّ معتمدة على أساس ديني أو أخلاقي يمنحها الحياة والإستمرار. إنّما المشكلة الحقيقية هي عندما تتحوّل الحرب إلى شرعية بحدّ ذاتها. في مقال سابق تحدّثت عن شرعية الحرب، وأن الأساس الديني أو الوطني أو الأخلاقي الذي تتحرّك الحرب تحت مسمّاه إنّما هو، في الأساس، منطلق من مصالح اقتصادية وأغلبها ذات طابع ذاتي أو فردي، تسعى فيه مراكز النفوذ إلى البحث عن فضاء أوسع للحركة، وكسب المزيد من المصالح. وهنا، تصبح الحرب ضرورة بحدّ ذاتها، حيث تمكّن تلك المراكز من استغلال حالة الحرب التي يغيب فيها النظام والقانون، وتفعّل فيها الأحكام العرفية المعتمدة على رغبات وأمزجة أمراء الحرب، من سهولة الحركة وتنفيذ ما يريدون بأقصر الطرق. فلا حاجة لإجراءات ولا قرارات ولا معاملات ولا اجتماعات. ومحاكمة الآخر أو اتّخاذ إجراءات عقابية لا تحتاج أكثر من توجيه مباشر بالتنفيذ.
الموحش في الأمر أن الشرعية، بمسمّاها الجميل، قد أخذت في اليمن ذاكرة سيّئة للغاية، ولو عدنا إلى التاريخ القريب نجد أنّه، خلال ربع قرن فقط، عاشت اليمن أسوأ حربين في تاريخها الحديث، وهي حروب أهلية مزّقت النسيج الإجتماعي وفتّتته على مستويات مختلفة، وكلّها كانت تحت راية الشرعية، الأولى حرب صيف 94، والأخرى حرب شرعية 2015م.
لقد تحرّك علي عبدالله صالح وحلفاؤه، في العام 1994م، من أجل إقصاء شريك الوحدة الجنوبي حينها، وكانت تلك الحرب تجري تحت راية الشرعية، معتمدة على أساسين، ديني متمثّل بفتاوى دينية شرّعت لهذه الحرب وأعطتها المسوّغ الذي يعتبر هؤلاء مرتدّين، وفئة باغية تنبغي مقاتلتها، بل وصلت بعض الفتاوى للتكفير واعتبارهم بالمجمل كفرة ويستحقّون الموت. ومسوّغ وطني يعتبرهم انفصاليّين وخونة، يريدون تمزيق الوطن ونسف وحدته ونسيجه، وإعادة التشطير،... إلخ من الشعارات التي تسمح للطرف المعتدي بمواصلة هذه الحرب، واستكمال حلقة السيطرة لمراكز النفوذ في البلاد بعمومها، دون أيّ رادع أو وازع أو معارض. لقد انتصر الطرف الذي حمل راية الشرعية، وكانت هذه الكلمة تحمل في نفوس الطرف المعتدى عليه ذكرى سيئة. لقد جاءت الشرعية وقوّاتها لا تحمل الشرعية والقانون والعدالة والمساواة، إنّما تحمل النهب والتدمير والرشوة والمحسوبية ونهب المال العام والمحاباة، بمقابل تسريح آلاف الموظّفين من أعمالهم، وسرقة الأراضي، وتدمير القيم الإيجابية في المجتمع. لقد كانت هذه نتيجة شرعية 94م ومسوّغ هذه الحرب.
في حين تبدو حرب شرعية العام 2015م منطقية شكلاً، بحكم أنّها تحمل مسوّغات قانونية واضحة متمثّلة في مواجهة انقلاب أطراف داخلية على اتّفاقات مؤتمر الحوار الوطني وما تبعه، إضافة إلى استنادها إلى دعم إقليمي ودولي. ولكن الإشكالية هنا أن مؤتمر الحوار الوطني وما سبقه و ما لحقه من حوار، لم يقم على أسس حقيقية وعادلة وشاملة، لذلك تكون هذه الشرعية مصدر شكّ، لا سيّما أن الفترة القانونية للشرعية قد تجاوزت المدّة المحدّدة بعامين. كما تأتي هذه الحرب لتمتدّ أكثر من عام ونصف العام، ومازالت تأكل الأخضر واليابس.
هذه الحرب التي هي حرب الشرعية ضدّ الإنقلاب والمتمرّدين، لا يبدو أن أحداً من جميع الأطراف يريد لها أن تنتهي. فجانب المتمرّدين أو شرعية 2011 وجد فيها فرصة لاجتثاث الدولة والسيطرة على المال العام، وسحب كلّ المقدّرات العامّة وبسط النفوذ في كلّ المفاصل، ونهاية الحرب معناها إلغاء كلّ هذه الإمتيازات. كما أن الطرف المتمثّل في الشرعية لا يبدو أنّه، هو الآخر، أخذ نهاية الحرب على محمل الجدّ، سواء اللاعب الشرعيّ في الداخل أو من يقف خلفه من قوّات التحالف. فتبدو الشرعية مجرّد شعار فقط، تتوسّع تحته الحرب على شبكة من المصالح المعقّدة، بعضها فردية بحتة، وبعضها فئوي، وبعضها ينزع إلى البحث عن مصالح دولية خارجية، في حين تظلّ اليمن، بلداً وشعباً، خارج اهتمام أيّ شرعية.
التعليقات