لا تستطيع -في الغالب- الحروب والصراعات الداخلية أن تكتسب ديمومتها، وتغذّي قوّتها ومدّها بالمقاتلين المخلصين لأطرافها، دون وجود دوافع ومسوّغات قوية تحمل المقاتلين على الإستمرار ودفع حياتهم رخيصة في سبيلها. من هنا، تأتي حاجة التعبئة داخل أطراف الصراع، لإيجاد مؤمنين مخلصين يضحّون من أجل القضية، التي يعتقدون بقدسيّتها ووجوب بذل الروح من أجلها، ممّا يجعل تلك الأطراف تستخدم الورقة الدينية؛ فهي الوحيدة القادرة على منح هذه الطاقة دون المزيد من الدلائل أو التوضيح، بناء على الإستعداد النفسي لدى المتقبّل في الإلتحاق بطرف من أطراف القتال، بعيداً عن المصلحة الذاتية أو الشعارات الوطنية، إذ يكون الدين هو العامل الحاسم في توجيه الفرد إلى تحقيق النصر أو الشهادة.
بدأت الحركة الحوثية باسم "الشباب المؤمن"، بوصفها حركة دينية، ثم شنّت حروبها الستّ مع الدولة التي كان يقودها حليفها الحالي علي صالح، وكانت الحركة، منذ حربها الأولى وحتّى الآن، تستخدم سياسة تفجير بيوت الخصوم ومراكزهم الدينية ومساجدهم، بوصفها وسيلة ترهيب، وبوصفها جزءاً من أدوات الصراع مع المختلف معه. وفي الوقت الذي كانت فيه الحركة الحوثية تطبق الخناق على اليمن في كلّ مكان، تحرّكت "القاعدة" وأخواتها من التنظيمات المتشدّدة، ووجدت في نفسها المدافع الوحيد عقائديّاً عن السنّة كما تقول، أمام التطرّف الحوثي. وأصبحت "القاعدة" تمارس سياسة التفجير ذاتها، تفجير المقرّات الأمنية وتفجير الأضرحة والقباب، وغير ذلك. فصار العمل بصورة واضحة تجسيداً للتفجير والتفجير المضادّ.
على الرغم من أن الصراع يتمظهر في تجلّياته الحالية بين جهتين، الأولى الحكومة التي تقول إنّها شرعية بقيادة هادي، وحلفاؤها من "الإخوان المسلمين" وبقية التيارات بما فيها المتشدّدة، وكذلك دول "التحالف العربي" بقيادة السعودية، وفي الطرف الآخر الحوثيّون وحلفائهم من ميليشيات وقوّات الرئيس السابق، علي صالح؛ على الرغم من هذا الفرز الذي يبدو فيه أن كلّ طرف يسعى إلى وضع نفسه محلّ النظام الشرعي الراغب في تشكيل نظام يتعامل مع العالم، فإن الصوت الأعلى هو للجناح العقائدي الذي يرى أن الصراع هو بين الحقّ والباطل، وهذا الجناح هو القادر فعليّاً على اجتذاب المقاتلين وفقاً للرغبة الداخلية في القتال من أجل الشهادة، ومن أجل الحياة الآخرة، وليس من أجل حياة اليمن واليمنيّين الفانية، وهذا ما يجعل القتال بحدّ ذاته صراعاً من أجل الحياة الآخرة أكثر من كونه صراعاً من أجل السلطة، إذ إن هذا الأخير في عقل المتحكّمين والماسكين الحقيقيّين بخيوط اللعبة.
الصوت المسموع هو صوت التفجير. يفجّر الحوثيّون بيوت الخصوم، فتفجّر "القاعدة" مقرّات الأمن والمخابرات. يفجّر "الحوثيّون" المراكز التابعة للتعليم الديني المخالف لهم، فيفجّر السلفيّون الأضرحة والقباب الأثرية. إن سياسة التفجير تثبت للعالم أن الصراع الحالي في اليمن هو صراع أجنحة التطرّف، التي تغذّي بعضها بعضاً بالكراهية والحقد والبغضاء، ومن أجل ذلك تستمرّ الحرب وستستمرّ أعواماً، حتّى لو جفّت منابع المال والإقتصاد، ذلك أن التعصّب الديني والمذهبي والطائفي هو رأس المال الحقيقي، الذي يغذّي سلطات التفجير، ويمنحها الإستمرار والحياة والديمومة.
التعليقات