حرب داحس والغبراء، التي امتدّت في التاريخ العربي أيّام الجاهلية أربعين عاماً، بين قبيلتي عبس وذبيان، كانت نهايتها على يد السيّدين هرم بن سنان، والحارث بن عوف. هذان السيّدان اللذان تدخّلا بعد أربعين عاماً من الحرب، ليتحمّلا من أموالهما نفقات الديّات، ويضعا حدّاً لهذه الحرب الملعونة، التي وصفها زهير بن أبي سلمى، في معلّقته الشهيرة، وهو في سبيل مدح السيّدين اللذين كانا السبب المباشر في إخماد نارها.
يقول زهير: وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُم وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ
مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَة وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ
فَتَعرُكُكُم عَركَ الرَحى بِثِفالِها وَتَلقَح كِشافاً ثُمَّ تَحمِل فَتُتئِمِ
فَتُنتِج لَكُم غِلمانَ أَشأَمَ كُلُّهُم كَأَحمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرضِع فَتَفطِم
لقد بعث زهير بن أبي سلمى أولى الصور الشعرية التي بيّنت قبح الحرب، ووحشيّتها. وتعدّ تلك الأبيات، في معلّقته، من أهمّ ما سجّله الشعر العربي القديم في وصف الحرب، من منظور رجل السلم، ليس من حيث ريادته فحسب، بل من حيث طريقة المعالجة من منظور الشاعر المتحمّل المسؤولية الإنسانية. ومن لحظات التسجيل الجميلة لقبح الحرب، تصويره لغلمان أشأم بوصفهم منتجات تلك الحرب وما تخلّفه وراءها، أي بمعنى غلمان الشؤم.
حين نقف عند هذه النقطة، وننظر حاليّاً في الحرب اليمنية، سنجد سيّدين، وغلمان أشام. السيّدان: الحوثي، وصالح، وغلمان أشأم: مجلسهم السياسي. لم يؤذن لهذه الحرب المجنونة أن تنتهي، فلم يكن لها هرم بن سنان ولا الحارث بن عوف. لقد أفاق المواطن في اليمن على مشهد سيّدين لا يريدان لهذه الحرب أن تتوقّف، بل يغذّيانها بما يمنحها المزيد من الخراب والدمار والشؤم. هذان السيّدان خرجا إلى الناس أخيراً بمجلس الشؤم، بوصفه نتاجاً طبيعيّاً لعام ونصف تقريباً من الحرب.
إذا كان هذان السيّدان هما مهندسا الحرب في الأصل، فإن مجلس الشؤم نتاج طبيعي لهذا اللقاح العقيم الذي لا ينتج غير الموت. من هنا، فإن التحليل أو التأويل أو الإنتقاد لتشكيلته هو في الأصل كلام عبثي. لا ينبغي للمواطن ولا للقارئ ولا للكاتب أن ينساق وراء مخرجات الحرب، وينسى الأصل.
السيّدان ظهرا بكلّ وضوح على أنّهما مهندسا الحرب، بل كلّ الحروب الستّة السابقة، تلك الحروب التي يشهد العالم أنّها كانت عبثية، وأن هذه الحرب، التي تحاول التهام العام الثاني، إنّما هي الحرب السابعة، أو بالأصحّ المعركة السابعة والطويلة من الحرب التي بدأت في العام 2004.
أعلن علي عبدالله صالح الحرب على الحوثيّين المتمرّدين في العام 2004، حيث قال، حينها، إنّهم يسعون إلى إلغاء النظام الجمهوري، والعودة إلى الإمامة، وإنّهم مموّلون من إيران. ثمّ خلال السنوات اللاحقة، عاش اليمن ستّة حروب طاحنة، أكلت اقتصاده، وضيّعت مستقبله بحرب سابعة مميتة. كان بعض المحلّلين، حينها، يقولون إن الحوثيّين يستلمون سلاحهم من معسكرات الحرس الجمهوري، والكثير حينها لم يكن يصدّق هذه الفرضية القائمة على تناقض واضح، إذ كيف يمكن الجمع بين إعلانك الحرب على جهة وتسليحها من مخازن قوّات النخبة في الوقت نفسه؟
لقد انكشفت الورقة جيّداً، حيث تبيّن أن تلك الحروب كانت مجرّد تكتيك لإزاحة كلّ العراقيل أمام التوريث، وتدمير كلّ قوّات الجيش، ليظلّ الحرس الجمهوري، المبنيّ على أسس عائلية وليس وطنية، هو المتحكّم الوحيد. ظهرت هذه الصورة تماماً حين دشّن محمّد علي الحوثي ما أسموها بإعادة تأهيل قوّات الحرس الجمهوري. لماذا ليس القوّات البحرية ولا الجوّية ولا العمالقة ولا ولا...؟ لماذا الحرس الجمهوري وإعادة تأهيله من قبل الحوثيّين؟ إن الإجابة على هذا السؤال توضح تماماً إجابة عن السؤال الرئيسي: ما الحكمة من الحروب الستّة؟
سيّدا الحرب هما سيّدا الحرب، تحالفا عليها وأنتجا مجلسهما المشؤوم، الذي يمثّل امتداداً لحربهما القذرة، هكذا يجب أن نفهم. ولكن السؤال الآخر: أين بقية السادة؟ أين من كان ينبغي لهم أن يقدّموا فكرة يمكن أن تضيء هذه العتمة؟ لقد انغمست السيادة في بركة الدماء، فأنتجت كلّ هذه الوجوه المشوّهة. وسيستمرّ الإنتظار حتّى نجد مثل هرم بن سنان والحارث بن عوف.
التعليقات