الإنسانية، في مفهومها البسيط، منظومة من القيم الأخلاقية والفكرية، التي يؤمن بها الإنسان، وتؤثّر بشكل عميق في رؤيته للآخر، متجاوزة الجنس والعقيدة والفكر والرأي والمكان؛ فتكون تلك القيم هي المرجع الأساسي الذي تحكم وفقه على الآخر، فلا تتهاون به من أجل قريب، ولا تتشدّد فيه من أجل عدوّ أو مختلف معك.
كثيراً ما كان المثقّف العربي يمتلئ بتلك القيم، مع ما يرافقها من عناصر إيجابية، كالحرّية والديمقراطية والعدالة ومحاربة الطغيان والفساد والإستبداد. ولم يتهاون المثقّف العربي في التعبير عنها، بكلّ ما أوتي من إمكانات في الإعلام والثقافة والفنّ، في المسرح والموسيقى والقصّة والرواية والشعر. وكانت الإنسانية هي المرجع، في الأغلب، لكلّ تلك النتاجات الإبداعية والثقافية.
ما إن بدأ الربيع العربي حتّى بدأت الكثير من تلك القيم تتعرّض للتحوّلات، والكثير من المثقّفين وُضعوا على نار التجربة الهادئة، وما إن سخنت إنسانيّتهم، حتّى بدأت تتعرّض للتشوّه والإنحناء والتعرّج، وأصابها الكثير من العطب. وتحوّل الكثير من المثقّفين، أو من يُسمّون بالنخبة بصورة عامّة، إلى أدوات فاعلة في هزيمة المجتمع، ونحره بسكاكين إنسانيّتهم المشوّهة، التي تحوّلت، في كثير من الأحيان، إلى أدوات في أيدي المتصارعين، الذين وجدوا في فوضاهم المصنوعة فرصة للإنقضاض على حلم الشباب.
إذا ما سلّطنا الضوء الآن على ما يجري في اليمن، وعلى فوضى الإنسانية التي فقدت الكثير من قيم هذا المعنى السامي، فلن نجد أكثر من كلمة جوفاء. فقد أصبحت الإنسانية غريبة في لفظها ومعناها، منزوعة القيمة، كما انتُزعت الإنسانية من المواطن المسحوق بنيران هذه الحرب الملعونة، التي فُرضت عليه ثمناً لصراع السلطة. فالحرب التي دشّنها الحوثيّون وحلفاؤهم في سبتمبر من العام 2014، بغزوهم صنعاء، ومن ثمّ مواصلة فتوحاتهم في الجنوب والشمال والغرب، وما تبعها من عواصف تحالف الخليج في مارس من العام 2015 تحت لافتة إعادة الشرعية، كشفت الكثير من الزيف الذي يستشري بمسمّى الإنسانية، إذ إنّها، في الكثير من الأحيان، تبدو وكأنّها جزء من المجهود الحربي، أو آلة للتعبئة أكثر من كونها كلمة تنتصر لقيم المحبّة والتسامح والعطف والحياة بصورة عامّة.
لقد كشفت هذه الحرب كم أن هناك من الإنسانيّين باحتياجات خاصّة، أو قل إنّهم إنسانيّون معاقو الإنسانية. فمناصرو الشرعية وحلفائها في الخليج لا يرون الإنسانية ولا يتحدّثون عنها إلّا حين يقيِّمون ما يصنعه الحوثي من جرائم في تعز وفي عدن وفي غيرها، بل ويبرّرون أيّ جرائم ترتكبها الطائرات السعودية في قصف الأسواق أو المصانع أو غير ذلك من الفظائع، إمّا بنفي الجريمة والتشكيك فيها، أو بأنّها أخطاء حرب ونيران صديقة، أو، في أحسن الأحوال، رمي التهمة على المتسبّب الرئيس، بوصف صالح والحوثي بأنّهما مهندسا هذه الحرب، ومن ثمّ فهما المتحمّلان الوحيدان لكلّ ما يترتّب عليها.
وفي المقابل، هناك صنف من الإنسانيّين المعاقين، الذين يصطفّون مع المتمرّدين، فلا ينظرون أبداً لكلّ الجرائم التي يرتكبها تحالف الحوثي وصالح في عدن وتعز والضالع ولحج، من تفجير للبيوت وزرع للألغام وحصار للمدن وتجويع للشعب؛ لا ينظرون إلى أيّ جريمة، بل لا نسمع صوت الإنسانية لديهم إلّا حين يرتكب الجريمة الطرف الآخر. عندها، تصدح أصوات الإنسانية لديهم، وتتفعّل قيمها في دواخلهم، وتبدأ أقلامهم بنزف العويل وتهويل الدمار والخرب. لم تكتب أقلامهم كلمة واحدة ضدّ تحالف الشرّ، الذي زرع الدمار وبذر الخوف في كلّ بيت في اليمن. إنسانيّتهم المعاقة لم تمكّنهم من رؤية جرائم الحوثيّين وصالح في اختطاف الأبرياء من بيوتهم، وتنفيذ إعدامات ميدانية في حقّهم. لم تستطع تلك الإنسانية العاجزة أن ترصد ضحايا الألغام وتجنيد الأطفال وتجويع السكان وإرهاب الآمنين.
إنّها إنسانية مشوّهة، تلك الإنسانية التي وضعت قلمها في عين، وحصرت الرؤية بعين مصنوعة، لتؤدّي دوراً حربيّاً لطرف من أطراف الصراع. إن إزاحة الإنحياز لطرف أمر بالغ الصعوبة، فطبيعة الإنسان ميّالة لاتّخاذ موقف أو انحياز فكري لجهة ما من جهات الصراع، لكن أن يكون الحديث عن الإنسانية وتبرير سفك دماء الأبرياء جزءاً من هذا الإنحياز، فهذا أمر غير مقبول مطلقاً؛ فمن يرضى أن يتاجر بدماء الأبرياء فإنّه لا يجب أن يؤتمن على وعي الأمّة.
التعليقات