في ظلّ الأوضاع الاقتصادية التي "تطحن" المواطن المغلوب على أمره، رزح اليمنيون تحت وطأتها منذ ما قبل اندلاع الحرب التي فاقمت من مساوئها، تظهر المخاوف واضحة وجلية من سقوط الاقتصاد في البلاد، وهو ما يمثّل هاجساً مرعباً للمواطن. ومع هذا القلق، تصدر التصريحات، والتصريحات المضادّة، حول نقل البنك المركزي، وتوقيف التعامل مع "مركزي" صنعاء، وطباعة عملة جديدة، وغيرها من العبارات التي تردّد، دون أن يدرك المواطن أبعادها.
نقف هنا مع الخبير الاقتصادي، الدكتور يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، لنضع عليه عدداً من الأسئلة التي يمكن أن تقدّم إجابات وتوضيحات عما يحدث، وما قد تفرزه هذه الأزمة في الأيام المقبلة.

كيف تقيّم المشكلة الاقتصادية حالياً في اليمن؟
في الواقع، الأزمة في اليمن تتصاعد، نتيجة للأزمة السياسة، فالبلاد تعيش حالة حرب لم تتوقّف منذ عام ونصف، خلال هذه الفترة توقّفت موارد الموازنة العامّة، بدءاً من موارد النفط، حيث رحلت الشركات النفطية الأجنبية من البلاد، ممّا أدّى إلى توقّف إنتاج وتصدير النفط، الذي يشكّل المورد الرئيسي للبلاد، رغم محدوديته. وترافق خروج الشركات النفطية من اليمن ليس فقط كنتيجة للحرب، ولكن أيضاً لتدهور أسعار النفط العالمية. فتوقّفت المشروعات العامّة والخاصّة، وانخفض الاستيراد، فشحّت الموارد الجمركية والضريبة، ومن ثمّ تآكلت احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية، والتي كانت تتغذّى من موارد تصدير النفط، ومعلوم أن الوظيفة الرئيسية للاحتياطيات الأجنبية هو الدفاع عن العملة، إلى جانب تسهيل استيراد الغذاء والدواء للسكّان، لكن البنك المركزي لم يعد بإمكانه الدفاع عن قيمة الريال، والذي وصل سعره الآن في السوق الموازي إلى 300 ريال، مقابل كلّ دولار، وهنا وصلت الأزمة ذروتها، حيث تدهورت الدخول بشكل مريع من جرّاء تدهور قيمة الريال، في ظلّ تضخّم جامح ألقى بثقلة على المستوى المعيشي للسكّان، وارتفعت مستويات الفقر إلى 80 % بين السكّان. ومع تراجع الناتج والدخل بأكثر من 50 %، فقد ضاعف هذا الوضع من الجوع وسوء التغذية ووصل بالحالة الإنسانية إلى الوضع الحرج.
في ظلّ الحرب، ومخاطبة رئيس الحكومة صندوق النقد الدولي بوقف التعامل مع البنك المركزي في صنعاء، ما هي الأخطار التي قد تترتّب على ذلك؟ وماذا يمكن أن تستفيد الحكومة من ذلك؟
المؤسف أن تأتي رسالة الأخ رئيس الوزراء إلى صندوق النقد الدولي، التي تدعو إلى تجميد حسابات البنك المركزي اليمني وطلب عدم التعامل مع محافظ البنك المركزي اليمني عوض بن همام ونائبه، لتضيف المزيد من التشويش على أي انفراج نسبي للأزمة الاقتصادية، رغم أن صندوق النقد لم يعد يقدّم الدعم اللازم والتسهيلات في ضوء الاتّفاقيات المبرمة مع الحكومة اليمنية. ماذا تستفيد الحكومة اليمنية من هذا الإجراء؟ لا شيء، في تقديري، اللهم إزالة الشكوك بشأن استغلال الحوثيين لجزء من الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي، الذي يقع تحت سيطرته، باعتباره الجهة المسيطرة على العاصمة صنعاء.
برأيك، ما العائق الفعلي أمام نقل المركز المالي من صنعاء إلى عدن؟ وما الصعوبة في ذلك؟ وهل هناك إمكانية؟
فكرة نقل البنك المركزي إلى عدن ظهرت في نهاية العام الماضي، مع استمرار الحرب، بما في ذلك طباعة عملة جديدة "بنكنوت"، بدلاً من الريال، قصد بها ممارسة المزيد من الضغوط ضدّ الانقلابيين، ولم تكن في تقديري توجّهاً جادّاً للحكومة. لأن نقل البنك المركزي إلى عدن بشكل مؤقّت لا يحظى بموافقة صندوق النقد والنظام المالي الدولي، لأسباب قانونية وتنظيمية. ومن جهة أخرى، هناك تحدّيات أمنية تقف أمام فكرة نقل البنك المركزي إلى عدن، وهناك أيضاً أسباب فنية، فالبنك المركزي في عدن، رغم توفّر الشروط الفنية ودرجة الأمان فيه حيث بني بمواصفات انجليزية محكمة، إلا أن حجم المبنى صغير، قد لا يستوعب إيداع مئات المليارات من النقود الورقية فيه. موضوع امتناع المناطق المحرّرة من توريد الموارد الضريبة والجمركية إلى صنعاء، هو موضع جدّي، لكن ليس ذا أثر كبير على موارد الموازنة العامّة، التي تودع في البنك المركزي بصنعاء خاصّة وفي ظل اقتصار الإنفاق العام على الأجور وما في حكمها فقط، وهنا لا فرق أن تورد الموارد المالية في صنعاء أو أن تبقى في عدن وحضرموت لدى فروع البنك المركزي.
بحسب معلوماتك، ما هي مصادر تمويل المجهود الحربي في الداخل في الظروف الحالية؟
إستمرار تأمين مصادر تمويل الحرب في اليمن تمثّل مشكلة حقيقية، لأنه في ظلّ بقاء "صنبور" هذه الموارد مفتوحاً ومتاحاً لن تنتهي الحرب، وسيظلّ السلام في اليمن أمراً صعب التحقيق. في تقديري، طرفا الحرب كلاهما لا زالا يحصلان على دعم خارجي من الدول الإقليمية التي تدعم كلّ طرف على حدة. وطالما والسلاح لا يزال يصل، مثلاً للطرف الحوثي من حلفائه الخارجين، والمقصود إيران، فالأموال تصل أيضاً، وهذا أمر سهل، ومع ذلك هذه الجهات تحصل، بشكل أو بآخر، على موارد معتبرة لتمويل مجهودها الحربي من موارد الدولة العامّة، وليس بالضرورة من احتياطيات أو موارد البنك المركزي، وهناك جهات دولية أكّدت على حصول الحوثيين على 100 مليون دولار من المركزي. وطبعاً، هناك أموال كبيرة لدى البنوك التجارية تخصّ أطراف الحرب، تسخّر للمجهود الحربي، وهناك أموال ضخمة مكتنزة للنظام السابق خارج سيطرة الحكومة أو البنك المركزي، وهذه في ظلّ الحرب الحالية واستمرار تصاعدها، فقد أصبحت متاحة لدعم المجهود الحربي.
كيف يستطيع البنك المركزي المحافظة على سعر العملة من التدهور المستمرّ في ظلّ التداخل الحاصل بين أداء البنك، بوصفه كياناً محايداً، وبين تدخّل "سلطات الأمر الواقع"؟
إذا تأكّد ما جاء بخطاب محافظ البنك المركزي الموجّه للأخ رئيس الجمهورية، والذي يفيد أن البنك المركزي يتصرّف بشكل مستقلّ، ووصل بالمطالبة بترشيح جهة استشارية دولية لتقييم حسابات البنك المركزي وإعلانها بشفافية، فإن هذه المعادلة يبدو تحقّقت، لكن لا نستطيع الجزم أن ذلك هو واقع الحال فعلاً. وفي كلّ الأحوال بقاء المليشيات تحكم وتسيطر في غياب دولة النظام والقانون، بمؤسّساتها المختلفة، أمر لا يستقيم أبداً، فسوف تظلّ هذه المليشيات المنفلتة تتدخّل وتتصرّف بموارد الدولة ومؤسّساتها الحكومية لمصلحتها ومن أجندتها و مشاريعها، والذي يتنافى كلّياً مع النظام والقانون ودولة المؤسّسات، سواء كانت هذه المليشيات تعمل في الشمال أو الجنوب. من ناحية المحافظة على سعر العملة، يستطيع البنك المركزي القيام بدوره في ظلّ وجود دولة فقط ،وما يترتّب على ذلك من استئناف للنشاط الاقتصادي، وفي ظلّ الاستقرار والأمان والسلام.
ما هو حجم المخاطر المحتملة لسقوط الاقتصاد؟
لو استمرّت الحرب، وبوتيرتها الحالية، فإن الاقتصاد سيزداد سوءاً، وإذا ما افترضنا بقاء الأحول والعوامل على حالها في ظلّ استمرار الحرب فلا يستطيع الاقتصاد الصمود، فخلال عام ونصف فقد الريال 40% من قيمته، وعليك أن تحسب الأثر لو استمرّت الحرب عاماً ثالثاً، بكل تأكيد سيكون الوضع كارثياً. وفي ظلّ بقاء حكومتين تحكم اليمن، فلا نستطيع التنبّؤ بما قد يحصل، وطبعاً هذا سيعتمد على سلوك أطراف الحرب، وعلى سلوك دول التحالف بقيادة المملكة. فالدول الخليجية إذا لم تسارع في دعم التنمية في اليمن، وإعادة بناء ما دمّر، ودعم احتياطيات البنك المركزي اليمني، فإن الكارثة الاقتصادية قادمة، فنحن نعيش الآن نصف الكارثة، حينها سيبلغ سعر الريال 600 ريال مقابل كل دولار، وربّما أكثر.
كيف يمكن المحافظة على المستوى الاقتصادي عند المستوى الآمن في ظروف الحرب؟
لا يوجد شيء اسمه توفّر المستوى الآمن للاقتصاد في ظلّ بقاء الحرب. هنا ينشأ ما يسمّى باقتصاد الحرب. فجميع الموارد توظّف من أجل المعركة. وتزداد صعوبة تحقيق الأمان الاقتصادي عندما تكون الحرب أهلية، داخلية، كما يحدث الآن، لأن اقتصاد البلاد يتحوّل إلى اقتصاد كنتونات و اقطاعيات. والحلّ من أجل إطلاق عملية النموّ الاقتصادي هو في أن يحلّ السلام والوفاء، وهنا اسمح لي أن أضرب لك مثالاً، في استمرار الحرب في اليمن فقد انتقل المستثمرون اليمنيون إلى الاستثمار في المنطقة الحرّة بسلطنة عمان، بحثاً عن فرص استثمارية توفّر بديلاً من بلادهم، التي تشهد حرباً مستمرّة منذ ما يزيد عن العام ونصف العام. كما أن الدولة فشلت في إقناع الشركات النفطية الأجنبية للعودة في مواصلة نشاطها في ظلّ الحرب، رغم أن مناطق النفط في حضرموت وشبوة آمنة نسبياً.
التعليقات