حين ينتقل شخص ما من ثقافته وبيئته الأصلية إلى ثقافة وبيئة مختلفتين، فإنّ ذلك قد ينتج ما تسمّى بالصدمة الثقافية، وهي عبارة عن مجموع المشاعر والأحاسيس والإضطرابات والفوضى الناتجة من الوصول إلى مكان مختلف تماماً، بعاداته وتقاليده وطرق عيشه، من حيث الدين والقيم ومنظومة الأخلاق والقوانين العامّة والغذاء وغيره. غالباً ما كانت الصدمة بهذا المفهوم محدودة التأثير على مجموعة من الناس، الذين ينتقلون فيزيائيّاً من منطقة جغرافية معيّنة إلى أخرى، بيد أن التكنولوجيا وثورة المعلومات المعاصرة قد شكّلت ما يشبه هذه الصدمة الثقافية داخل المجتمعات ذاتها. فهذا التداخل الكبير الذي ابتدأ بالعولمة وما رافقها من فوضى داخل بنية المجتمعات والثقافات الخاصّة، وانتهى بثورة التكنولوجيا والإنترنت الذي شكّل مجتمعاً عالميّاً جديداً ليس له منظومة قيم واحدة، بل مجموع منظومات من القيم المختلطة والمتغيّرة، التي تتأثّر بمختلف الثقافات والقيم حول العالم.
لقد كان العالم العربي على موعد مع هذه الصدمة، التي لم تكن على سلّم حساباته، فقد وجد نفسه فجأة وسط مجتمع عالمي حديث، لم يسع إليه ولم ينتقل من ثقافته إليه، بل العالم وقيمه وعاداته هو من أتاه. ومن ثمّ، لم تنتج فقط مشاعر وأحاسيس تشكّل الصدمة الثقافية، إنّما ألقى هذا التداخل بظلاله على مستوى منظومة القيم الهشّة داخل المجتمع، وتسبّب في فوضى واضطراب وتشكّل قيم جديدة مختلفة، ليس لها علاقة بمنظومة القيم العالمية الجديدة، ولا بمنظومة القيم الموروثة في هذه المجتمعات.
تكمن الإشكالية الرئيسية داخل المجتمعات العربية أنّها وجدت نفسها فجأة داخل مجتمع عالمي تسيطر عليه ثورة المعلومات، بما تحتويه من معارف وعلوم وخبرات متراكمة على مدى سنوات، في حين أن هذه المجتمعات ترزح تحت وطأة الجهل والأمّية والتخلّف التكنولوجي والتبعية في مختلف مستوياتها، فكريّاً وثقافيّاً ومعرفيّاً واقتصاديّاً. فكان هذا التزاوج بين المعرفة العالمية بقيمها الجديدة، مع التخلّف والتبعية والظلم والفقر في مجتمعاتنا؛ كلّ هذا تسبّب في صدمة ثقافية حادّة داخل المجتمعات، فأفرزت مجموعة من الظواهر الغريبة التي لا تستند إلى أيّ منظومة قيم وطنية ولا مستوردة؛ ومن ثمّ فالصدمات متوالية، منها صدمة بين المجتمع المتخلّف عن ركب الحضارة مع المجتمع الحديث، وصدمة داخلية كشفتها وسائل المعرفة الحديثة.
لقد اندمجت المجتمعات المحلّية في إطار المجتمع العالمي وقيمه، دون أن يكون هناك قواعد راسخة وقوية مستندة إلى خلفيّات معرفية وثقافية عميقة، بل دخلت بوّابة المجتمع العالمي، وبدأت تعيش حاضره وواقعه، في حين أنّها تفصلها هوّة عميقة من السنوات، بفارقها الحضاري والقيمي والمعرفي. وفي حين تدّعي هذه المجتمعات امتلاكها مجموعة من القيم الأصيلة والمحافظة بخلفيّاتها الثقافية والدينية، فإن هول الصدمة قد كشف التناقض الحاصل، حيث تبيّن أن كلّ تلك القيم ما هي غير قواعد تضعها المجتمعات في الظاهر ثم تنتهكها في السرّ، فأنتج هذا الوضع مجتمعات شبه متناقضة غير منسجمة مع ذاتها ولا مع محيطها، وظلّت على تناقضها دون أن يكون له أيّ ظاهرة بارزة تكشفه من الداخل، وتعمل على إبرازه في صورة ظواهر يمكن تحديدها، حتّى عملت ثورة المعلومات على تجسيد هذا التناقض في شكل ظواهر بارزة، يمكن ملاحظتها وقياسها ودراستها ومعرفة أبعادها بكلّ وضوح.
لقد كانت تلك المجتمعات تعيش حالة من الإزدواجية المغلّفة بثوب الوهم، الذي يحمل رداء التديّن والأخلاق والقيم والأعراف الأصيلة، فجاءت هذه الصدمة لتكشف كمّ التناقض الحاصل في داخلها، فانكشفت الصدمة التي لم تكن في الأصل بين ثقافتين مختلفتين فحسب، بل بين ثقافتين كانتا داخل مجتمع واحد. لقد تكشّفت هاتان الثقافتان، فأظهرتا صدمة ثقافية ذاتية لمجتمع واحد يعيش بثقافتين ظاهرة وباطنة.
التعليقات