في المقال السابق، أشرت إلى ما تعيشه المجتمعات العربية من ازدواج ثقافي، بين ثقافة متوارثة ما زالت مشدودة إلى الماضي بكلّ مستوياته المعرفية والثقافية والفكرية، وبين ثقافة حاضرة جاءت إلى هذه المجتمعات بالقوّة، فأصبحت تستهلكها وتتعامل معها بوصفها أمراً واقعاً لا مفرّ لها من التعامل معها، بيد أنّه تعامل المتلقّي السلبي مع المرسل، إذ ترتبط الثقافة الحديثة بالمستوى الفردي، دون أن تستطيع التحوّل إلى ثقافة جمعية، وبالتالي تحويلها من ثقافة استهلاكية إلى ثقافة إنتاجية، تتمازج مع ثقافة المجتمع القديمة وتشكِّل ثقافته بترابطها بين الماضي والحاضر، دون حدوث أيّ صدام أو صراع قد يؤثّر على المجتمع بصورة سلبية.
إن من أهمّ مظاهر هذه الازدواجية الثقافية في المجتمع هو أن المؤسّسات الثقافية والدينية والتعليمية ما زالت تستعمل الأدوات التقليدية في التعامل مع الواقع، فلغة الخطاب الثقافي والديني والتعليمي مازالت مبنية في الأساس على الثقافة التقليدية. على سبيل المثال، نجد أن المناهج التعليمية، من حيث مضمونها، لا تنتمي إلى هذه الحقبة، وكأنّما تلك المناهج تتعامل مع أجيال القرن الماضي، وهنا ينشأ الشرخ بين ما يتعلّمه الفرد وما يتعامل معه على أرض الواقع. فعلى الرغم من أن الواقع يزدحم بالعلوم والمعارف وثورة المعلومات، فإن تلك المناهج مازالت تتعامل -في الغالب- مع حقائق قد تبدّلت وتغيّرت كثيراً. ومن جهة أخرى، فإن تلك المناهج ذاتها، من حيث بنيتها وطرائقها، ما زالت تتعامل مع نظريّات قديمة، كما أنّه من الصعب جدّاً تطبيقها على جيل يمتلك في واقعه ما يتجاوزها بمراحل، بما وضعته التكنولوجيا الحديثة من أدوات جديدة بين يديه.
أمّا الخطاب الديني فهو الآخر، بغضّ النظر عما يعتريه حالياً، من ردّة باتّجاه الماضي السحيق، فإنّه، حتّى المعتدل منه، لم يستطع أن يجاري الحاضر، ويتعامل معه في سبيل تهذيب الكثير من الأخطاء الناتجة من هذه الثقافة الحديثة الوافدة بقوّة التكنولوجيا. وفي الخطاب الثقافي، لم نجد، حتّى اللحظة، مشاريع حقيقية ترتكز على قيم الثقافة الحديثة بما تملكه من أدوات معرفية وتقنية، تساعد على تطوير الخطاب الثقافي واستغلال ما تمكّننا به من أدوات للوصول إلى جمهور أوسع. إن اتسّاع الهوة، هنا، بين الثقافتين قد عمل على تجريف الثقافة التقليدية، وتراجع مستوى الثقافة في مستواها التقليدي، حتّى دون إيجاد البديل الملائم، فلم يعد هناك مسرح فاعل ولا سينما ولا مجلّات ولا فعاليّات. ذلك أن الثقافة الحديثة أوالحياة المعاصرة تحتاج إلى تجديد في الوسائل الثقافية، وفي مضمونها أيضاً.
وعلى سبيل المثال أيضاً، من نتائج ذلك، التعامل السلبي مع التكنولوجيا الحديثة، ولا سيّما مع وسائل التواصل الإجتماعي، التي أظهرت بقوّة هذا الإزدواج الثقافي بين ثقافة جمعية تنتمي إلى الحاضر، وثقافة حديثة متأثّرة بالقيم الوافدة، دون وجود أيّة مواءمة بين الثقافتين لتشكيل ثقافة مجتمع مرتبط بقيم ثقافته الأصيلة وبواقعه دون وجود أيّ صدام أو تعارض. هناك الكثير من النماذج السلبية التي تبدو فردية، بيد أنّها تشكّل ظواهر عامّة تستحقّ الوقوف والدراسة من تلك المؤسّسات المعنية، ومحاولة خلق حالة من التشذيب للقيم الفردية الحديثة، وجعلها جزءاً من ثقافة المجتمع العامّة. من ذلك، على سبيل المثال، التعامل بلا مبالاة مع صور الموتى أو القتلى أو المشوّهين أو المشاهد المؤذية للناس وصغار السنّ، دون خوف من تأثيرها السلبي على نفسيّاتهم. إن هذا الأمر، في حدّ ذاته، يتناقض مع قيم المجتمع التقليدي، الذي يحترم الموتى كما يحترم الأحياء، فكيف تتجّرأ هذه الثقافة الفردية على اقتحام هذه المحرّمات التي كان يرسمها المجتمع، وهي، في الوقت ذاته، تتناقض أيضاً مع أخلاقيّات التعامل الحديث الذي يرى في هذه التصرّفات تعدّياً على الآخرين دون إذن منهم؟ إن هذا الأمر في المجتمعات الأخرى موجود، ولكن ليس بالمستوى الذي في مجتمعاتنا، لأن مؤسّساتنا الرسمية والأسرية هنا غير قادرة على التعامل مع هذه الأخطاء الناتجة من هذه الإزدواجية.
الأمر الآخر والأخطر، هو مسألة تربية الأولاد بالطريقة التقليدية. قديماً كان يمكن التحكّم بالأولاد عبر معرفة أين يذهبون ومن يصادقون وكيف يقضون حياتهم، ممّا يساعدنا على ضبط سلوكهم وتهذيب نفسيّاتهم والمساعدة في بنائها البناء الصحيح، بعيداً عن المؤثّرات السلبية، بيد أنّه، في العصر الحديث، لم يعد بالإمكان استعمال الوسائل التقليدية في المنع والتحّكم والمصادرة، خاصّة مع قدرة العالم على الوصول إلى يد الطفل عبر التكنولوجيا الحديثة، ممّا يجعلنا نبحث عن وسائل حديثة في التعامل مع الطفل، والبحث عن وسائل تربية حديثة تلائم هذه الثقافة الجديدة، وهذا الأمر مسؤولية مؤسّسات البحث والجامعات، ومراكز البحث العلمي والتربوي.
نحن نعيش ثقافة حديثة بكلّ ما فيها من وسائل إيجابية وسلبية. على هذا المجتمع أن يغادر ثقافته التقليدية، ويجعلها مجرّد خلفية يتعامل على أساسها مع ثقافته الحديثة، محاولاً بناء ثقافة جديدة لا تلغي الماضي ولا تستسلم للثقافة الحديثة في مستوياتها الفردية، بل صنع ثقافة حديثة هي نتاج مزج بين ثقافة العصر وثقافة الماضي، لتشكيل ثقافة حديثة متوازنة محافظة على جوانبها الإيجابية الأصيلة.
التعليقات