عندما كان علي عبد الله صالح ونظامه في أقصى ازدهار قوّته، ربط إعلامه على المستوى الرسمي والشعبي بفكرة الهوية الأحمرية لذلك النظام، ليس ذلك فحسب بل حتّى أن الاعلام المعارض، وبمختلف توجّهاته، عمل على تعميق هذه الهوية بصورة مباشرة وغير مباشرة. وقد كانت فلسفة الرئيس والشيخ، أو كما يقال "أنت شيخي وأنا رئيسك" التي كانت قائمة عليها علاقة علي صالح بالشيخ الأحمر، تمثّل المنطلق لتشكيل هوية النظام القائم حينها، بوصفه ينتمي لآل الأحمر. لقد عمل النظام، بمختلف توجّهاته، على تكريس هذا المفهوم، حتّى أن الكلّ تقريباً كان يعتقد أن علي عبد الله صالح، ومختلف أركان حكمه حينها، ينتمون إلى أسرة آل الأحمر، وإن كانوا من منطقة وقبيلة أخرى غير تلك التي ينتمي إليها الشيخ الأحمر في حاشد. في الحقيقة، كان الإنتماء الأحمري حينها يمثّل مصدر فخر لعلي صالح ولمن يلتفّ حوله، ولعلي محسن الأحمر وغيرهم من الذين ينتسبون حقيقة إلى قرية الأحمر في سنحان وليس إلى قبيلة آل الأحمر التي في قبيلة حاشد.
في تلك الأحيان، وحين كان التحالف الخفي المعلن في كامل قوّته، تسرّبت قوائم وكتبت مقالات وصدرت النكات السياسية في المجالس والتجمّعات، كلّها تشير إلى نظام آل الأحمر الذي يحكم اليمن ويتحكّم به عبر مجموعة من مراكز النفوذ التي تختم اسمها بكلمة الأحمر. ولكن ما إن بدأت الخلافات تتغلغل إلى عمق هذا التحالف، حتّى ظهرت التسمية الحقيقية لعلي صالح، وبأنه ليس من آل الأحمر، وإنما من آل عفّاش. إنشقّ النظام السياسي بفعل الثورة، فانسحب الأحمر الأصلي من قالب النظام ليصبح في قالب المعارضة، وسحب معه هذه التسمية "المقدّسة"، أو ربما يصحّ القول أنه سحب معه هوية النظام الأحمرية، ليترك علي صالح وبقايا نظامه يتجرّعون مرارة عفّاشيته، بيد أن علي صالح لم يطل به الأمر كثيراً؛ واجه وإعلامه الهوية الجديدة بالإنكار والمراوغة، بيد أنه ما إن مرّت فترة زمنية بسيطة حتّى استطاع تحويل كلمة عفّاش، من كلمة نابية ومن مسبّة، إلى هوية جديدة للنظام، وهكذا تصبح "العفّاشية" مصدر فخر وبديلاً جيداً عن "الأحمرية".
بعد أن قامت ثورة الشباب على نظام علي عبد الله صالح، وبعد أن أدرك النظام حينها صعوبة أن يظلّ على حاله من التماسك والقوّة، قرّر الطرف الأحمر فيه أن يتخلّص من علي عبد الله صالح وأن ينضمّ إلى صفّ الثورة، ولكن في الحقيقة لم يأت هذا الانضمام على شروط الثورة ومبادئها وأهدافها، بل جاء محتفظاً بكل مزاياه ومصادر نفوذه وقوّته، ليس ذلك فحسب، بل وعمل على إكساب هوية النظام القديمة لهذه الثورة الجديدة، فتحوّلت الثورة من ثورة شباب إلى ثورة تسيطر عليها رموز النظام السابق بهويته "الأحمرية"، متمثّلة في علي محسن وشبكة النفوذ التي يقودها.
على مدى سنوات الصراع منذ 2011 وحتّى 2014 قبل أن يغزو الحوثي صنعاء وقبل أن يتحالف علي صالح معهم من أجل الانقلاب على السلطات التي كانوا يتشاركونها في الأساس، على مدى هذه السنوات، كان هناك طرفان رئيسان، طرف تمثّله الهوية "العفّاشية"، وطرف تمثّله الهوية "الأحمرية"، ولكن في الواقع كلا الهويتين لهما المبادئ ذاتها، وينطلقان لتنفيذ سياستيهما بموجب الطرق ذاتها، معتمدين على شبكة المصالح القبلية والعشائرية والدينية، ومعتمدين على البنية الفكرية ذاتها من حيث الفساد والمحسوبية والرشوة والذاتية والوساطة ونهب المال العام، وغير ذلك من الأمراض الاجتماعية والسياسية. تغيّرت هوية علي صالح ونظامه الاسمية من أحمرية إلى "عفاشية"، بيد أنها أبقت عليها ممارسة لم يتغيّر فيها شي، وفي المقابل جاءت الهوية "الأحمرية" إلى صف الثورة باسمها وممارساتها السابقة ولم تغيّر فيها شيء.
تحالف علي عبد الله صالح مع الحوثيين، واجتاحوا صنعاء في أواخر 2014، ثم اجتاحوا مناطق الجنوب وبقية المدن في 2015، لتتشكّل في أغلب مناطق اليمن هوية جديدة سمّوها "الحوفاشية"، متمثّلة في شبكة مصالح جديدة يدخل فيها البعد الديني والمذهبي والسلالي، وبدأت ظواهر جديدة في توزيع السلطات، تقدّم فيها السلالة وتعدّ جزءاً أساسياً من هوية هذا النظام، أو في جزءاً منه مع الاعتبار لطبيعة التقاسم داخل هذا التحالف. وفي المقابل، تحوّلت الثورة، ومعها تحالفاتها، إلى عنصر مشرّد، وقد ضمّت بعد ذلك أجزءاً من تحالفات علي صالح القديمة، بيد أنها في مجملها شكّلت العنصر المقاوم للمشروع "الحوفاشي"، وتحوّلت بعد "عاصفة الحزم" التي تقودها السعودية إلى ما تسمّى السلطة الشرعية، التي وضع علي محسن نائباً للرئيس فيها، وعدد من قادتها الأحمريين مسؤولين على العديد من أجزائها، فتبدو الآن صورة قاتمة، عبارة عن هوية "حوفاشية" متمرّدة، ولكنها ممسكة بالسلطة السياسية في اليمن، وهوية أحمرية تحاول أن تعود إلى واجهة السلطة عبر بوّابة الشرعية. فلا يمكن التنبّؤ بمستقبل تتغير فيه سياسة هذه الهويات، المتصارعة في شكلها والموحّدة في بنيتها الداخلية، وبذلك لا يمكن توقعّ نتائج إيجابية من هذا الصراع، سواء نتج عنه انتصار أحدهم، أو توافقوا على السلام فيما بينهم، ففي أحسن الأحوال ستعود اليمن إلى شكل نظامها السياسي القديم، طالما بقيت أدواته وهويته على حالها من الثبات.
التعليقات