لم تكن جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية جديدة على اليمن، وتاريخه المليئ بالحروب والصراعات والإقصاء والتهميش، ولكن منذ عام ونصف العام، يشهد اليمن أكبر الجرائم وحشية في تاريخه الحديث، من حيث الكمّ، ومن حيث النوع أيضاً. ابتدأت الحرب الملعونة بعملية تهجير جماعي لليهود، ثمّ السلفيّين من قرية دمّاج في صعدة، ثم تمرّ الحرب بعد ذلك بأكبر عملية تهجير شهدتها مدينة عدن، لتستقرّ حاليّاً في حصار مدينة تعز، ثم تتناسل بقصف من السماء ومن الأرض لمختلف المدن اليمنية، حيث يبدو أن هذه الجريمة المركزية تتناسل من بينها جرائم أخرى ولكنّها غير مرصودة بشكل دقيق للمراقبين؛ قتل للسكّان، حصار متمثّل في قطع الماء والدواء والغذاء، ملاحقة واختطاف، إلى آخر ذلك من أدوات الحرب التي تستهدف المدنييّن وحياتهم بالدرجة الأولى، قبل أن تستهدف المقاتلين المختلف معهم.
انطلقت عاصفة الحزم بقيادة السعودية مستخدمة أحدث الطائرات ووسائل التفوّق الجوّي، وما يصاحبها من قذائف وصواريخ، بيد أنّها لم تراع القوانين الدولية في الحرب، وقامت في الكثير من الأحيان باستهداف المدنيّين استهدافاً متكرّراً ومباشراً، يظهر استهانة هذه القوات بالمدنيّين ودمائهم المسفوكة، والتي جاءت تحت دعوى حمايتهم من الإنقلابيّين المتمرّدين، ولكنّها لم تمنع نفسها من استعمال أدواتهم القاتلة التي لا تفرّق بين أهداف مدنية وأخرى عسكرية.
يرتكب الإنقلابيّون الجرائم المتلاحقة في حق المدنيّين بمختلف أشكال الإستهداف، التي آخرها قصف الأحياء السكنية أو حصارها وتقتيل الناس جوعاً أو خوفاً، إلى تفجير بيوت المختلفين، وهي جرائم لا يمكن تبريرها أبداً بوصفها جرائم ضدّ الإنسانية، بيد أن مجموعة الفرق المبرّرة تقف خلف هذا السلوك الإجرامي بالتسويغ وتجميل الجرائم بوصفهاً دفاعاً ضدّ العدوان تارة، وتارة أخرى بتحميلها الطرف الآخر، وآخر تبرير يقدّمونه بأن المتسبّب هم المقاومون الذين يحتمون بالمدنيّين، أو بأنّهم السبب لأنّهم لم يستسلموا لسلطة الأمر الواقع الإنقلابية.
وبصورة مقابلة، ترتكب الطائرات العمياء جرائمها ضدّ المدنيّين بشكل متتابع ومتلاحق ويوميّ تقريباً، مكرّرة الصورة نفسها للجرائم التي يرتكبها الإنقلابيّون، مع فارق أن الإنقلابيّين عصابة، في حين أن هذه الجرائم ترتكبها دول ملتزمة أخلاقاً وقانوناً بتطبيق القانون الدولي في الصراع، والذي يلزمها بأن تبتعد عن استهداف المدنيّين أو الأهداف المدنية وإن كان فيها شبهة هدف عسكري. وبصورة تلقائية أيضاً، تجد مجموعة المبرّرين الذين ينطلقون لتجميل هذا القبح المميت، بالقول إن الإستهداف أصلاً لمواطن عسكرية وإن هذه مجرّد أخطاء. وفي الحقيقة، لا يوجد خطأ، فاستهداف مواقع ولو كانت عسكرية داخل مناطق مدنية أمر محرّم دوليّاً، وجريمة ستظلّ مرصودة ضدّ مرتكبها، ولن تسقط بالتقادم.
لا يمكن تسويغ الجريمة مهما كان شكلها ومهما كان الهدف الذي تسعى من أجله. إن المبدأ المكيافيلي غير وارد حين يتعلّق الأمر بحاة المواطنين الآمنين في بيوتهم. لا يمكن، هنا، الحديث عن أن الغاية النبيلة تبرّر الوسيلة القبيحة؛ فحين تكون الوسيلة بقبح الموت، فإن الغاية مرفوضة، كيف ستجلب الحياة وأنت تستعمل أدوات الموات؟ جرائم وحشية يروح فيها العشرات في ضربة واحدة، وهي جريمة لا يمكن السكوت عنها، جريمة تتضاعف لعدّة أسباب، أوّلاً لأنّها تأتي من طرف يدّعي أنّه يحمل الشرعية، أو يقف خلف سلطة تدّعي أنّها تملك الشرعية، وثانياً لأنّها تستعمل أحدث وسائل الموت الحديثة التي يمكّنها تقدّمها العلمي والتكنولوجي والإستخباري من أن توظّفها في الجانب العسكري واستهداف القيادات بعيداً عن المدنيّين، في حين أنّه لم نسمع حتّى الآن، منذ سنة ونصف، عن خسارة العصابات أيّة قيادات تُذكر، فكلّ من يموت إمّا أتباعها في الجبهات وهم من غير المعروفين، أو المواطنون الآمنون في بيوتهم.
ستظلّ الجريمة جريمة سواء ارتكبتها عصابة أوارتكبتها دولة، ولكن ما هو أسوأ من تلك الجرائم هم مجموعة المبرّرين الذين يقفون خلف تلك الجرائم، من أجل تجميلها أو تحسينها أو محو آثارها القاتلة.
التعليقات