قبل عام ونيّف، لم تكن الحرب قد اشتعلت في اليمن على هذا النحو، تناولتُ في مقال حينَها العلاقة التي تربط الحوثيين بالقاعدة، وهي علاقة لا تقوم على التّعاون المباشر، بل على محاولة الحفاظ على بعضهما؛ كون كل طرف يُعدّ المبرّر لوجود الآخر وانتشاره. لقد تمدّد الحوثي منذ انطلاقه من صعدة حتى اجتياح صنعاء وما بعدها، تحت شعار مواجهة القاعدة والتكفيريّين، وانتشرت القاعدة وأخواتها من الجماعات المتشدّدة تحت شعار مواجهة المدّ "الرافضيّ" الحوثي. وهكذا وجد كلّ طرف ذريعته المناسبة للإنتشار والتّوسّع وبسط السيطرة واكتساب الأتباع ومدّ الآلة الإعلاميّة بالمواد الخام اللّازمة لصنع الإرهاب والإرهاب المضادّ.
كان هذا التواطؤ بين جناحَي طائر الإرهاب في اليمن هو التجلّي المباشر والواضح لفعل الإرهاب، وإن كانت ذاكرة التواطؤ ستعود بنا إلى مرحلة سابقة أو ما يمكن أن نطلق عليها مرحلة التّواطؤ غير المباشر، وهو ذلك الذي كان يستعمله النّظام القديم وعناصره الإستخبارية من تسهيل لجماعات الإرهاب من أجل أهداف مختلفة لها تشعّبات داخليّة وخارجيّة، وهي ورقةٌ ظلّت تُستخدم على سنوات طويلة، منذ الحرب الأفغانية الأولى وحتى 2011، وما تلاها.
بعد 2011 وما وُصفت حينها، من قبل المراقبين، بأنّها عمليّةٌ ممنهجة لتسليم القاعدة محافظة أبين، بدت تلك الحركة من قبل النّظام السّابق بوصفها استراتيجيّة لمواجهة الثّورة المشتعلة ضدّه في مناطق مختلفة من اليمن، وكان هذا التواطؤ الرّسمي المتمثّل في تسليم معسكرات المحافظة، ومؤسّساتها ومواقعها وكلّ منشآتها مفتاحاً لسياسات قادمة أكثر وضوحا في تواطؤ أجهزة رسميّة مع الإرهاب لتحقيق أهداف سياسيّة. ولم تكن هذه الحركة القذرة من طرف النّظام السابق مُستغرَبة؛ فقد أتقن اللّعب على المتناقضات الداخليّة والخارجيّة، واللّعب بمختلف الأوراق مهما كانت خطورتها على البلد أو على الإقليم.

تكرّر السيناريو نفسه في إبريل من العام المنصرم، عندما باغتت مجاميع مسلّحة من القاعدة مدينة المكلا في ليلة مريبة، سلّمت فيها كلُّ الأجهزة العسكرية مواقعها ومعسكراتها وآلياتها الثّقيلة، وأصبحت المدينة ومعها ساحل حضرموت -من ذلك الحين وحتى الآن- إمارة غير معلنة لأنصار الشريعة، أو ما يطلقون على أنفسهم محلّيّاً بأنصار حضرموت. لقد كان المسوّغ الرّئيسي حينها للقاعدة أنّها جاءت لحماية حضرموت من الحوثيين، وخوفاً عليها من السّقوط في أيديهم، بمعنى أن طرف الإرهاب سيطر على المدينة لحمايتها من إرهاب مضادّ. لقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشكّ بأنّ انسحاب كلّ تلك المجاميع العسكرية بتشكّلاتها المختلفة هو تواطؤ مباشر مع الإرهاب، ففي حين كان واضحاً هدف الأجهزة المرتبطة بالرّئيس السّابق من جعل هذا الإجتياح عنصر ضعف في خاصرة الخصم المقابل، لم يظهر الهدف عند القوّات المحسوبة على الجناح الآخر في الصراع. ولكن في المجمل كان التواطؤ واضحاً من كل تلك الأجهزة العسكرية التي أخلت مواقعها بهدوءٍ، وسلّمت مخازن الأسلحة وترسانتها لتلك العناصر الإجرامية الغازية.
عامٌ كاملٌ حتى الآن وهذا التنظيم يمارس حياته الإعتيادية بكل أريحيّة، سيطر على معسكرات الدولة وموانئها ومؤسّساتها ومصانعها ومطاراتها وميناء تصدير النفط فيها، مارس إدارته المباشرة على الحياة المدنية، اعتقل الصحفيين والناشطين، وقد تعامل المجتمع معهم مجبراً، حيث لم يجد من يقف في صفّه، فلم يكن له إلّا أن يتعامل مع الأمر الواقع الذي فرضه هذا التواطؤ الرسمي. عامٌ بدأه التنظيم بسرقة البنوك وإحراق بعض المنشآت العامة، وإقامة أحكامه العرفيّة التي يدرجها تحت خانة الشريعة. كلّ هذه الأشهر تُرك التّنظيم يمارس مهامّه بحريّة، فتح السواحل للتّهريب مقابل رسوم تعينه على تدفّق الموارد المالية، ابتزاز المؤسّسات الإيراديّة، مصادرة كلّ الأسلحة وإخفائها في مناطق مختلفة من البلاد، كلّ ذلك ودول التحالف العربي تمارس حرباً مع الطرف الآخر من الإرهاب الحوثي، في حين هذا الطرف المكشوف ظلّ بعيداً عن الأنظار.
لقد استيقظ الناس في حضرموت بعد عامٍ على هذه الغزوة ليسمعوا دويّ الإنفجارات في المعسكرات، وبعض بيوت المسؤولين التي سيطر عليها التّنظيم والقريبة في الأصل من بيوت المواطنين، وقد جاء الإعلان عن عمليّة ضرب الإرهاب في حضرموت، عبر ضرب تلك المعسكرات المنتشرة على طول ساحل حضرموت. إنّ هذه العملية وهذه الضربات لا تبدو ذات جدوى عسكرية مطلقاً، فالتّنظيم منذ اليوم الأول لسيطرته على المعسكرات سحب كلّ المعدّات والأسلحة ونقل كلّ المخازن إلى البيوت وإلى بطون الأودية والجبال، وقد أصبحت تلك المعسكرات مجرّد مبانٍ فارغة، وضربُها لا يمثّل سوى ضرب المنشآت القائمة وتدمير ما بقي قائماً حتى الآن. فالتّنظيم الإرهابي ليس جيشاً نظاميّاً يعتمد على غرف عمليات وغرف تحكّم يمكن لهذا القصف أن يضعفه أو يدمّره، إنّما هو مجرّد شبكة من المقاتلين المنتشرين في مناطق متفرّقة، وبذلك فالحرب على الإرهاب ينبغي لها أن تتّخذ شكلًا آخر غير هذا القصف الذي لن يؤثّر إلّا على المواطنين بالدرجة الرئيسية.

لقد فُهم أنّ صمت التّحالف طوال عام كامل نوعٌ من التواطؤ مع الإرهاب، وإن كان التّحالف حينها لا يودّ أن يفتح أكثر من جبهة في وقت واحد، إلا أنّه خسر بهذا التواطؤ على مستويات مختلفة، إذ أصبح التّنظيم أكثر تجذّراً وقد امتلك عاماً كاملاً خزّن فيه الأسلحة وجمع المقاتلين، واستعدّ ليوم المواجهة الّذي لا يبدو أنّه سيكون هيّناً.
أجرت الصحافية صفاء الأحمد لـ "بي بي سي" تحقيقاً صحافيّاً مصوّراً حول حصار تعز بعنوان "تعز بين المطرقة والسّندان"، أظهرت فيه عند دخولها من اتّجاه عدن وجود مقاتلين من القاعدة إلى جانب قوّات الشرعية وقوّات التحالف، في سبيل وجود عدو واحد، ولكن لكلّ طرف هدفه القادم ما بعد القضاء على ذلك العدو، وفيما تبدو الصورة هكذا: التغاضي عن وجود القاعدة والإستفادة من مقاتليها في الحرب على الحوثي، بيد أنّ هذا يُعدّ تواطؤاً مفضوحاً لا يقبل التّسويغ مطلقاً في حال ثبوته، فالسّلاح الموجّه الآن لصدر عدوّك سيتوجّه إلى صدرك غداً، ذلك أنّ الأسس التي يتحرّك عليها مختلفةٌ تماماً، والغاية لا يمكن مطلقاً أن تبرّر الوسيلة إذ ستتغيّر الغايات ما إن يتحقّق الهدف.
وأخيراً يمكن القول إنّ الحرب على الإرهاب ليست حرباً مسلّحة بالدّرجة الأولى فقط، بل هي مواجهة تحتاج إلى استراتيجيّةٍ مدروسة تدرس أولاً الأسباب وتدرس الأسس التي جعلته ينتشر والقضاء عليها كمرحلة أولى، ثم لتذهب للتّعامل مع هذا الإرهاب وفق استراتيجيّة محكمة متّخذة أبعاداً ومستويات مختلفة، فكريّاً، واقتصاديّاً وعسكريّاً. مع الإنتباه الكامل لقضية التّوظيف السياسي للإرهاب أو للحرب على الإرهاب؛ ذلك أنّ هذا التوظيف السياسي هو مدخلٌ لانحرافات ستغذّي الإرهاب بدرجة أساسية.
التعليقات