يمثّل البنك المركزي عصب الدول، حيث يتمحور حوله اقتصاد البلد، وبدونه تصبح الدولة فاقدة لأسس النظام الإقتصادي، فتعجز عن التحكّم بإدارة الحياة الإقتصادية، من بنوك وشركات وحركة شراء وبيع وتحكّم بالعملة التي تنهار، وتصبح معها عديمة الفائدة. والبنك المركزي، من هذه المركزية الدلالية في الحياة الإقتصادية، يمثّل الثقل الكلّي للمصالح التي تغذّي دائماً الصراعات والحروب. ومعنى السيطرة على البنك المركزي هو السيطرة المباشرة على مركز الإقتصاد، وهو ما يجعل من السيطرة عليه العنصر الأهمّ لكلّ طرف، فمهما تدثّر المتصارعون بأثواب الشعارات البرّاقة دينيّاً ووطنيّاً واجتماعيّاً، فإنّها في الأخير تنظر بعين المصلحة الإقتصادية المغذّي الحقيقي للحرب.
بعد دخول الإنقلابيّين مدينة صنعاء، وسيطرتهم على مؤسّسات الدولة، كان البنك المركزي أهمّ نقطة سعوا للسيطرة عليها، وقد حاولت إدارة البنك أن تبقى -بصورة ما- محافظة على مظهر الحيادية، ولكنّها حتّى وإن كانت محايدة فإن الجوّ العام يضعها تحت تصرّف سلطة انقلابية غير شرعية، ستستفيد من البنك المركزي لمصلحة أهدافها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بمعنى أن وجود البنك في صنعاء تحت سيطرتهم يمثّل عنصر قوّة فاعلاً في أيديهم، حّتى وإن افترضنا أنّهم لم يستفيدوا منه بصورة غير مشروعة. فكما نعلم أن هناك ميزانيّات مرصودة بالمليارات تذهب للوزارات التي يتحكّم بها مشرفون من قبل تلك الجماعات، وهذا يعني أن كلّ هذه المليارات ستذهب إلى أيديهم، وهم الذي يتحكّمون بها ويأخذون الوفر خدمة للمجهود الحربي، إضافة إلى ميزانية عسكرية مهولة مخصّصة لوزارة الدفاع، تذهب لخدمة جبهتهم ضدّ الدولة التي يستلمون مخصّصاتها من بنكها المركزي.
لم تدرك الأطراف التي تدّعي الشرعية خطورة هذا الأمر، ولم تضع لنفسها رؤية صالحة لتجاوزه. حرّرت المناطق وكان بالإمكان التصرّف بالبنك خارج هذه السلطة الإنقلابية، التي تتحكم بالتعامل الإقتصادي وبالتعامل الدولي مع البنوك العالمية، وتستفيد من سلطة البنك سياسيّاً واقتصاديّاً وعسكريّاً. ومرّت الأشهر وما زال الأمر على ما هو عليه، حتّى انتبهت أخيراً سلطة هادي إلى هذا الخطأ الجلل محاولة التصحيح، ولكن كما يظهر الأمر أنّه بدون رؤية وبدون تخطيط، ويبدو إجراءً عسكريّاً أكثر من كونه إجراءً اقتصاديّاً. لقد تأخّر الفعل كثيراً، وكان يمكن لو اتّخذ من قبل وفي ظروف منطقية صحيحة، كان يمكن لذلك أن يغيّر من معادلة الحرب ويغيّر مساراتها بسرعة.
جاء القرار الأخير لعبد ربه منصور هادي بنقل البنك إلى عدن وتغيير مجلس إدارته، وكان أهمّ من وقف إعلاميّاً في وجه هذا القرار هم الإنقلابيّون وأجهزتهم الإعلامية، قائلين إن هذا الإجراء غير قانوني وغير شرعي، وكأن انقلابهم وحربهم ومشرفيهم وسيطرتهم على مؤسّسات الدولة هو تطبيق للقانون والدستور. بيد أنّه، مع الأيّام، بدأت تتفتّح مشكلات ومعارك على مستويات مختلفة، لعلّ ما نشهده هذه الأيّام هو معارك بين سطات عبدربه في عدن وحكومته وسلطات الإنقلابيّين في صنعاء وحكومتهم؛ ومعارك داخلية بين الحوثييّن وصالح، كلّ طرف يحمّل الآخر مسؤولية تأخّر المرتّبات؛ ومعركة بين الحكومة في عدن وبين المواطنين المطالبين بمرتّباتهم، لا سيّما في تلك المناطق التي يسيطرون عليها. وهكذا يصحو البنك على عدد من المعارك المركزية والفرعية، ممّا يقدّم شهادة على أن هذه الحرب متمحورة حول الإقتصاد والمال والمصلحة بصورة أو بأخرى.
أطرف النكات المسموعة هي تلك المعركة التي يقودها البعض من المتعصّبين للإنقلاب، مطالبين هادي وحكومته بصرف المرتّبات، لأنّهم قرّروا نقل البنك إلى عدن وكأنّهم نقلوا المليارات من خزّانات البنك وأخذوها معهم إلى عدن، يطالبونه بالمرتّب، ويسرقون منه السلطة، بمعنى يريدون انقلاباً على الشرط: ننقلب عليك وتدفع مرتّباتنا، هذا هو منطقهم، وهو منطق ينطلي فقط على من يستغفلونهم ويسوقونهم إلى محارق الحرب، وهم يمتصّون خزائن البنك وعائدات الضرائب والجمارك وغيرها من الجبايات.
ستستمرّ معارك البنك، ذلك أنّه المكان الذي تأوي إليه أفئدة المتصارعين، حتّى وإن حُسم الأمر لصالح بنك صنعاء أو بنك عدن، أو بقي البنكان يعملان، فإنّه ستنبجس معارك جديدة، طالما بقيت جذور المصلحة الذاتية هي المتحكّمة، بعيداً عن مصلحة المواطنين والشعب بصورة عامّة.
التعليقات