بعيداً عن نظرية المؤامرة التي يقرأ بها البعض دلالات التدخّل الأمريكي المباشر في الحرب في اليمن، فقد جاءت هذه الخطوة المباشرة والواضحة بعد استهداف القوّات الحوثية وحلفائها للسفينة الإماراتية أمام الشواطئ اليمنية، وكذلك محاولة استهداف مدمّرة أمريكية لمرّتين متتاليتين كما صرّحت وزارة الدفاع الأمريكية. لقد أصدرت القوّات الحوثية بيانات تنكر فيها هذا العمل، مع أن هذا الإنكار يتعارض تماماً مع شعارهم ومع سلوكهم خلال مدّة الحرب المنصرمة. فشعارهم المنادي بالموت لأمريكا يتّسق تماماً مع هذا الإستهداف، فلماذا يتبرّأون من عمل يجسّد بالفعل هذا الشعار ويضعه على أرض الواقع؟
من جانب آخر، كانوا يعلنون دائماً إغراق بوارج حربية، ولو كانت جهة أخرى غير أمريكا قد قالت إن صواريخ حوثية سقطت في البحر أو تمّ صدّها، لأعلن الحوثيّون أنّهم أغرقوا تلك البارجة مباشرة، فلماذا يتنصّلون من هذا العمل؟ الإجابة واضحة للجميع حتّى لحلفاء الحوثيّين وأنصارهم، أن العداء لأمريكا هو مجرّد شعار فقط، ولن يتحوّل إلى عمل فعلي أبداً، وأن أمريكا لها حساباتها الخاصّة التي لا تنظر فيها إلى الحوثيّين إلّا بكونهم عنصراً ينبغي استثماره لتحقيق مصالح أمريكية. فليست مع السعودية إلّا لمصالح محدودة للغاية، كما أنّها، من جهة أخرى، لم تحسم موقفها من الحوثيّين بشكل قاطع، وكلّ التسريبات والتصريحات الأمريكية تؤكّد على ضرورة وقف الحرب والتوصّل إلى اتّفاقات تضمن لهم محاربة الإرهاب، بعيداً عن أيّ حسابات أخرى لا شرعية ولا انقلابية.
لقد أعلنت أمريكا أنّها قصفت محطّات رادار على الشاطئ اليمني، وهي ثلاثة مواقع كما جاء في بيان وزارة الدفاع الأمريكية، وهذا الإعلان يثير أيضاً الكثير من التساؤلات. فحسب ما كنّا قد عرفنا أنّه تم استهداف كلّ مواقع الرادار في اليمن، والمتبقّية الموجودة متوقّفة لأنّه يتمّ استهداف تلك الرادارات حال تشغيلها مباشرة. فكيف بقيت هذه المواقع الثلاثة تشتغل؟ وهل قوّات التحالف لا تمتلك هذه القدرة على استكشاف تلك المواقع من قبل؟ إن هذا يبيّن كم أن قوات التحالف لا تمتلك الإمكانات، وربّما لا تمتلك الكفاءات اللازمة لإدارة هذه الحرب باحترافية، وهو ما يعمل على تمديدها أكبر فترة ممكنة فتستنزف قوّتها أوّلاً، وتستنزف المواطنين الواقعين تحت نيران هذه الحرب ثانياً. لقد أظهر التسجيل المصوّر الذي عرضه الحوثيّون عند استهداف السفينة الإماراتية مشاهد لمقطع رادار، وهو ما يعني استعمالهم لتقنيات حديثة في توجيه الصاروخ وليس مجرّد توجيه يدوي، فكيف استطاعوا تركيب منظومة الرادارات دون أن تكتشفها قوّات التحالف التي تسيطر على برّ اليمن وأجوائه وشواطئه. إن هذا الإختراق الإلكتروني يقدّم دلالة ضعف قوّية، ولا يُستبعد أن هناك أيضاً اختراقات تمدّ المتمرّدين بالأسلحة المتطوّرة والمال، الذي يمكّنهم من إطالة أمد الحرب.
باعتقادي، أن استهداف السفينة الإماراتية جزء من لعبة الحرب المفتوحة بين التحالف العربي بقيادة السعودية، وبين قوّات الحوثيّين وصالح، ولكن محاولة استهداف السفن الأخرى ليس غباءً وليس من باب الخطأ، إنّما يمثّل خطوة متهوّرة باتّجاه إرباك المشهد العام، بغية تغيير مسارات المعركة وإدخال الحرب اليمنية في بعد إقليمي ودولي جديد. يرمي الحوثيّون وحلفاؤهم من وراء هذه الخطوة إلى تهديد خطّ الملاحة الأكثر خطورة واشتعالاً، وإرسال رسالة للعالم مفادها: إنّكم إذا لم توقفوا هذه الحرب فإنّنا سوف نعمل على تهديد الملاحة الدولية ونعرقل خطّ التجارة العالمية، مما سيتسبّب بأزمات عالمية. هذا هو المعنى الحقيقي للخطوة الحوثية؛ محاولة الإمساك بهذه الرهينة، وتهديد العالم مثلما أمسك باليمن رهينة وهدّد بها اليمنيّين. ولن يتوانى أبداً عن اتّخاذ أيّ خطوة لتحقيق مصالحه فقط، مهما كانت النتائج المترتّبة، ولو وصلت إلى مسح اليمن واليمنيّين من الخارطة.
إن خطورة هذه الخطوة تكمن في أنّها ستدخل اليمن في نفق جديد، فالعالم لن ينظر إلّا لمصالحه، ولن يسمح أن تتهدّد مكاسبه الإقتصادية. فقد يعمد الحوثيّون مرّة أخرى إلى استهداف ممنهج للسفن الحربية ومن ثمّ التجارية، وقد يطلقون مجموعة من العصابات وقطّاع الطرق والقراصنة، بدعوى أن الفوضى التي أنتجتها الحرب في اليمن هي المتسبّب الرئيس وراء كلّ ذلك، وهذا ما يعني إدخال لاعبين جدد قد تكون لهم حساباتهم المختلفة والمتناقضة، ولكن ما سيجمعهم كلّهم هو أنّهم سيجعلون من اليمن ساحة لمعركتهم.
التعليقات