ينطلق العنوان الصادم "قطع الراتب واجب" من عمق المفارقة المجتمعية الناتجة عن الأنظمة الشمولية التي تسعى، في سبيل بقاء سيادتها واستمرارها، إلى جعل المواطن المغلوب على أمره يطالب ذلك النظام بمطالب ضد مصالحه الأساسية، فكما نرى ونسمع ونقرأ من نصائح الحوثيين وكتابهم ومثقفيهم الذين يريدون من المواطنين الواقعين تحت سلطتهم أن يصمدوا ويستسلموا لكونهم بدون مرتبات حتى الآن، بوصف هذا الصمود وهذا الصبر واجباً وطنياً، في حين أنهم ينتفعون بعائدات الجبايات التي تذهب إلى جيوبهم الخاصة من جهة، وإلى تمويل مجهودهم الحربي الذي يقتل المواطنين، من جهة ثانية.
في عدن، قبل خروج بريطانيا، عملت على رفع رواتب الموظفين بصورة لا يمكن للحكومة الوطنية الجديدة أن تتحملها في ظل عدم وجود أي شكل للاقتصاد الذي كان بيد بريطانيا. أقرت حينها حكومة الجبهة القومية، أيام الراحل سالمين، تخفيض الرواتب، وإثر ذلك خرجت حينها ما تسمى مظاهرات الأيام السبع، التي كان أهم شعار لها "واجب علينا واجب، تخفيض الراتب واجب"، وعلى الرغم من أن الموضوع برمته يبدو وطنياً بالدرجة الأولى، وأن هذه المظارهرات في الأساس تتسق مع الهم العام، وتتفاعل مع المأزق الذي وضعت فيه الحكومة الوطنية الجديدة من قبل المستعمر الذي خطط لإحراجها، على الرغم من كل ذلك فلا يمكن أن نزيح لمسة هذا التوجيه الفوقي من قبل النظام السياسي بالإيعاز للمواطن أن يتظاهر ضد مصالحه المكتسبة. لكن الفرق هنا أن مطالب تخفيض الراتب من أجل العدالة الاجتماعية ومن أجل المساعدة في تجاوز الأزمة الوطنية العامة إثر الاستقلال الوطني تختلف تماماً عن ما يريده مستبد العصر الذي يطالب المواطن ليس على الصمود بالصمت وعدم المطالبه براتبه، بل يطالبه بدعم البنك، ذلك البنك الذي لا يعلم يدعمه لماذا.
وتكمن المفارقة الثانية في أن هذه السلطة التي فرضت نفسها على الشعب بقوة السلاح من أجل إنقاذه من جرعة سعرية اتخذتها حكومة المحاصصة في سبيل رفع الدعم عن المشتقات النفطية، فاجتاحت صنعاء وبقية مناطق اليمن من أجل إلغاء هذه الجرعة، ثم تأتي الآن لا لتوقف الرواتب وتنهب كل المستحقات فقط، بل تريد من المواطن أن يصمت ولا يطالب بمستحقاته، ذلك أن المطالبة تعد طابوراً خامساً، وأن من يفعل ذلك فهو مرتزق وينبغي محاكمته، والتنكيل به، والواجب عليه أن يدعم البنك بكل ما يملك، وعلى النساء التبرع بممتلكاتهن من الحلي والمصوغات الذهبية.
المفارقة الثالثة أن ذوي الثورة المزعومة ضد الجرعة السعرية يريدون من المواطنين أن يتوجهوا بطلبهم إلى حكومة هادي، وأن المرتبات ينبغي أن يدفعها هو، ليس لأنه يمثل السلطة الشرعية بل لأنه قام بنقل البنك إلى عدن، وكأن البنك عبارة عن عربة بيع خضار تم نقلها إلى عدن، فعليها أن ترسل الرواتب من هناك، وكأنهم لا يعلمون أن البنك نظام مصرفي ولدى فرع صنعاء ليس فقط موارده الخاصة ولكن أيضاً يفترض أن خزانته ما زالت تمتلك الاحتياط النقدي الذي لا يغطي رواتب الموظفين تحت سلطة الانقلاب فحسب، بل بقية مناطق اليمن كلها.
إن هذا لا يعفي الحكومة التي تقول إنها شرعية من تحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية في دفع مرتبات الموظفين، ولو كان ذلك عبر وكالات الصرافة الخاصة، فتحويل الرواتب إلى وسيلة للحرب أمر غير مقبول إنسانياً ولا أخلاقياً ولا قانونياً، وإذا كانت المليشيات استمرأت هذا الأمر فإنه لا ينبغي لحكومة تقول إنها تمثل الشعب أن تقوم بذلك، فلتكن مستحقات الناس بعيدة عن التوظيف القذر لهذه الحرب. فما ذنب الكثير من الموظفين الذين لا علاقة لهم مطلقاً بأطراف الصراع وأولئك المحسوبين على الشرعية تحت سيطرة المليشيات أو حتى المواطنين المناصرين للحوثي وصالح. ينبغي على الرواتب أن تجد طريقها إلى جيوب مستحقيها لمواجهة الجوع القادم من أعماق الحرب.
التعليقات