تطلق عملية هيكلة القوات المسلحة في اليمن على تلك العملية التي تلت مرحلة تسليم علي عبد الله صالح السلطة، شكلياً، إلى نائبه المنتخب بالتوافق، عبد ربه منصور هادي، والتي سعت فيها حكومة هادي إلى العمل على تفكيك بنية القيادات العسكرية المرتبطة بعلي صالح، والتي كانت على رأس الوحدات الكبرى في الجيش اليمني، في القوات البرية والبحرية والجوية. وعلى الرغم من أن تلك العملية قد أخذت مدى أطول من المرصود لها، فإنها لم تحقق الغاية منها ولم تحقق الهدف الأساسي لمفهوم الهيكلة الذي يعني إعادة بناء مفهوم مغاير للقوات المسلحة، والذي يكون غالباً أمراً مهماً في التحولات السياسية وبناء الديمقراطيات في تلك الدول التي تعيش حالة من الانتقال من أنظمة شمولية إلى دول ديمقراطية. بل إنه ربما يمكن القول بأن تلك الهيكلة، وبتلك الصورة السيئة، تعدّ جزءاً أساسياً ومفتاحاً من مفاتيح الحرب التي اشتعلت بعد عامين تقريباً من بدء الهيكلة.
تشكل الجيوش غالباً أكبر تحد أمام الدول التي تعيش حالة تحول ديمقراطي، إذ ترتبط الكثير من القيادات فيه بالنظام الذي كان حاكماً، وحين تبدأ شبكة المصالح الموروثة بالتعرض إلى الخلخلة والتدمير، تعمل بعض القيادات على محاولة عرقلة مسيرة الاصلاح بطرق مختلفة، ليس آخرها حدوث انقلابات عسكرية. وهذا أمر وارد الحدوث في أي بلد من البلدان، بل وفي دول يعد مؤشر الاقتصاد والوعي المجتمعي فيها عالياً، ومع وجود مؤسسات عسكرية ذات بنية مستقلة ومرتبة، فما بالك حين يكون الأمر مرتبطاً بالجيش اليمني الذي كانت أغلب قياداته مرتبطة في تراتبيتها القيادية على الولاءات والقرب من مراكز النفوذ، وليس على أساس الكفاءات والأقدمية العسكرية.
لقد تم التعامل باستخفاف مع موضوع الهيكلة، حيث جرت بدون أية دراسة أو إجراءات علمية متبعة، ولا بالاستفادة من الخبرات في الدول التي عاشت التجربة نفسها أو قريباً منها، ذلك أن مفهوم الهيكلة لدى الحكومة الجديدة ليس أكثر من تغيير المسميات أو تغيير القيادات الموالية للنظام القديم بقيادات موالية للنظام الجديد. هذا على مستوى القيادات العليا، في حين ظلت القيادات الدنيا بيد النظام القديم، ذلك كما أشرنا أن الجيش لم يكن مؤسساً على أسس تراتبية مؤسسية بقدر ماكان مبنياً على ارتباطات عشائرية وقبلية من قيادات الفرق وحتى قيادات الفصائل. وهكذا تم تبديل البيادق على مستوى القيادات العليا وتغيير مسميات المناطق العسكرية، في حين ظلت القيادات الصغرى بيد علي عبد الله صالح. لم تسلم هذه العملية من مناورة الإفساد السابقة في شيء، ففي حين تم وضع عدد من القيادات المحسوبة على النظام الجديد الذي هو جزء أساسي من النظام السابق بقي الكثير منها تابعة للنظام السابق محافظة على الامتيازات ذاتها. ثم مع التحولات السلبية واختناق أفق العملية السياسية ما كان بهذه القيادات العسكرية إلا أن تتحالف مع الجماعة المتمردة التي حاربتها ستة حروب من أجل ترتيب انقلاب عسركي، كنتيجة طبيعية وغير مستغربة، والدخول معها في شراكة واضحة في حرب لم تبق ولم تذر.
كان ينبغي للهيكلة أن تقوم على أسس علمية، إذ تبدأ من تغيير المفهوم ذاته، وربط وزارة الدفاع بالحكومة، حيث يكون وزير الدفاع شخصية مدنية مرتبط برئيس الحكومة، ومن ثم العمل على إيجاد تشريعات قانونية مختلفة ترسخ مفهوم التحول الديمقراطي وجعل التحول يدخل عمق القوات المسلحة، بوصفها جزءاً من الحراك السياسي لا مؤسسة راعية ترى نفسها فوق الجميع. فالهيكلة ليست تغيير مسميات بل إعادة تركيب وإصلاح أساسي لتحويل القوات المسلحة اليمنية من مجرد أدوات تابعة لخدمة النظام السياسي إلى مؤسسة مهمتها الأساسية الدفاع عن الحدود الخارجية وحماية المياه الإقليمية والمساعدة في مكافحة المخدرات وحماية الملاحة الدولية، ولكن لأن الغاية كانت سيئة، وكانت الأداة المتبعة أسوأ، فقد أدت هذه الإجراءات غير المدروسة إلى أن يتحول الجيش إلى أداة بيد مليشيا مسلحة قادمة من كهوف التاريخ، ولتدخل بحربها اليمن في كهوف أكثر إظلاماً.
التعليقات