يبدو مصطلح خارطة الطريق رائجاً لدى المبعوثين الأمميين في الشرق الأوسط على مختلف الأزمات المشتعلة في المنطقة، ابتداء من القضية الفسلطينية وانتهاء بالحربين في اليمن وسوريا. وعلى كثرة تلك الخرائط التي تم رسمها داخل أروقة المجالس الأممية بمستوياتها المختلفة، فإنها في الغالب تشكل خرائط طرق لطريق غير موجودة على أرض الواقع، مما يعمل على إلغاء وجودها من الأساس.
آخر هذه الخرائط الأممية يحملها إسماعيل ولد الشيخ أحمد، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة لليمن، الذي قدمها إلى الأطراف المختلفة، ويبدو أنها رُفضت من قبلهم جميعاً كما صرح هو في إحاطته الأخيرة إلى مجلس الأمن. وما زال مؤملاً كما يقول أن يتبناها مجلس الأمن، وأن تتحول إلى قرار أممي يلزم جميع الأطراف العبور من خلالها لتجاوز هذه الطريق المقفرة والموبوءة بالحرب.
كأي مشكلة في هذه الحياة، تحتاج خارطة الطريق لكي تنجح وجود طريق من الأساس، فكيف يمكن وضع خارطة طريق لطريق غير موجودة؟ فخارطة الطريق في هذه الحالة تعني طريقاً افتراضية لا وجود لها إلا في خيال ولد الشيخ ومن معه من المنظرين الأمميين، ومن ثم فمهما حاول الجانب الدولي فرضها فإنها ستمثل فرضاً افتراضياً لخريطة على طريق غير موجودة، وستظل الحرب مستمرة بكل فجائعها ومآسيها وما تفرزه من مجاعات وتصدعات في جسد المجتمع المنهك.
هل كان مجلس الأمن بحاجة إلى خارطة طريق، أم أن المرجعيات السابقة وقراراته التي اتخذها من قبل تحتاج إلى تحديث على غرارهذه الخارطة العمياء؟ إذا كان الجانب الأممي بالفعل يرغب في أن يحسم الأمر من خلال القرارات، فكان بإمكانه أن يحول قراراته السابقة إلى أداة عملية للتنفيذ وليس لتفصيل خرائط جديدة لا تلائم الطرق المعقدة والمدمرة حالياً، ولا يمكن أن تبني سلاماً دائماً في المستقبل.
إن الشرعيات المسيطرة حالياً هي شرعيات الحرب، لا شيء غير الحرب يرسم الطرق حالياً ومستقبلاً، وقد رفضت الأطراف المتصارعة هذه الخارطة ليس لأنها لا تلائم طريق الوطن إلى المستقبل الخالي من الحرب بل لأنها تنزع بعض الصلاحيات الشكلية من أطراف الصراع، وتكون الخارطة هي خارطة الحرب. فالمصالح المكتسبة من خلال هذه الحرب أكبر من قدرة أطرافها على الاستغناء عنها ولو طالت بهم الحرب مئات السنوات.
ترى حكومة هادي أن هذه الخارطة سوف تنزع عنها مصالحها الموروثة لا سيما مصلحة الشرعية بحد ذاتها بوصفها كارتاً قوياً تستفيد منه ككيان مازال معترفاً به أمام العالم، وفي المقابل يرى أمراء الحرب الجدد أن هذه الخارطة سوف تنزع أدوات النفوذ التي اكتسبوها خلال سنتي الحرب. وعلى هذا الأمر، تبدو الخارطة كعنصر جيد، بيد أن الأمر السيء أنها خارطة لم تقم على استقراء الواقع ولا تداعيات المشكلات الداخلية التي أدت بالفعل إلى الحرب.
ينبغي على من يضع الخارطة أن ينطلق من مسببات الحرب ذاتها لا معالجة أعراضها، وأهم ما في الأمر استعراض مختلف المشكلات المعلقة على مدى سنوات، ومن أهم ما في الأمر القضية الجنوبية ومختلف الحروب السابقة في الشمال والجنوب. إن أي خارطة لم تقم على هذه الأسس هي خارطة لحرب جديدة قادمة ولو بعد حين، ومهما كان صمت البنادق.
التعليقات