يغرق المحللون كثيراً في محاولة فهم ظاهرة التطرّف، بيد أن من الثابت أن المتطرّف مهما كان لونه أو عقيدته أو مكانته، فإنه يرى في المتطرّف المقابل وجهه الآخر، ومهما كان موقفه منه فإنه يمثل ضرورة لوجوده، ومسوغاً لاستمراره، فلو لم يوجد التطرّف لما وجد التطرّف الآخر، والعكس. فعلى مر التاريخ يعمل المتطرّفون دائماً على تغذية المتطرّف المقابل لهم، والعمل قدر الإمكان على إزاحة كل ما هو وسطي وعاقل ومعتدل، سواء كان ضمن الوسط الذي ينطلق منه المتطرّف، أو كان في الطرف المقابل، لأن التطرّف يعيش في هذه البيئة المجنونة، معه أو ضده. فالمتطرّف لا يريد معه إلا متطرّفاً مثله، ولا يريد أن يقابله متطرّف يمنحه المسوغ الأخلاقي ليستمر في نهجه.
هتلر، كأكبر متطرّف في العصر الحديث، كان معه موسوليني كمتطرّف حليف، ولكن في الجهة المقابلة كان ستالين المتطرّف الأكبر هو العدو الصديق، ويمارس كل طرف فظائعه تحت ذريعة محاربة الآخر، من هنا تنشأ الأخوة المحرمة لهذا التطرّف القاتل.
فاز ترامب، وما تزال هذه الظاهرة تحت ماكنات التحليل السياسي والنفسي والاجتماعي لمحاولة فهم هذا الصعود المخالف لكل التوقعات تحت خطاب الكراهية والجنون والتطرّف الذي لا يفيد المتطرّفين في الداخل الأمريكي فحسب، بل وأيضاً المتطرّفين الذين هم على عداء معها. وباعتقادي أن هناك بعض الحلول التي ممكن أن يقدمها هذا الفوز للسياسة الأمريكية الواقعة في كثير من الورطات التاريخية، لا سيما في أزمتها الحالية في الشرق الأوسط. ففي كتاب "فوبيا داعش: الدولة الإسلامية والشرق الأوسط"، للمحلل الكندي جوين داير، يقول في آخر الكتاب وضمن التوصيات: "إنه ليس أمام أمريكا من حل إلا دعم الأسد، وإلا سوف تصل داعش إلى كل بلدان الشرق الأوسط وتسيطر على دول النفط وتهدد إسرائيل"، ومثل هذا التصرف كان من المستبعد تماماً أن تقوم به كلينتون، أما الآن فقد أصبح الأمر ممكناً بدعوى تغير السياسة الخارجية الأمريكية. ما عدا ذلك فإن الجنون والتطرّف هو الذي يمكن أن يتسيد المرحلة القادمة، ويقدم خدماته المجانية للتطرّف محلياً وعالمياً.
من هذه النقطة فقط يمكن لنا فهم لماذا بدا الحوثيون سعداء جداً بفوز ترامب، وبدا أنهم كانوا منهمكين في متابعة نتائج انتخابات أمريكا الملعونة في شعاراتهم، أكثر من نصف سكان أمريكا الذين لم يذهبوا أصلاً للانتخابات. وسيعملون كذلك بدعم أي تطرّف مشابه في العالم، فهم مع بوتين وهم مع كيم جونغ أون المتطرف الكوري الشمالي، وهم مع بشار، وهم أيضاً مع مليشيات الحشد الشعبي، ومع نظام ملالي إيران، كما أنهم بصورة أخرى مع بقاء "القاعدة" و"داعش" واستمرارها، لأنها السبب الأنسب الذي سيمنحهم الوجود في الداخل. وفوز ترامب سيضيف حماقات جديدة تلهب هذا العالم بالجنون، فتصبح البيئة ملائمة تماماً لكل متطرّف في هذا الكون لتنفيذ أفكاره المخالفة لما تريده عامة البشر، من تعايش وتفاهم واحترام متبادل.
التعليقات