يتفاءل المواطنون في اليمن كلما سمعوا صوتاً ينادي إلى السلام وإيقاف الحرب التي تدخل الآن شهرها العشرين، دون أي متغير على الأرض لصالح أي طرف، عدا التغير الذي تصنعه في جسد المجتمع وفي أجساد الأسر التي يطحنها الجوع والفقر والجهل والمرض والمزيد من اليأس. يأتي هذا السلام على شكل وقفات صغيرة أو استراحات محصورة لا تعمل إلا على منح المحاربين فرصة لاستعادة أنفاسهم والإعداد من جديد لمعارك جديدة. ولكن هؤلاء المواطنين البسطاء وكل من يرغب في أن يصنع السلام من قبل هذه الأطراف لا يدرك أبداً أن صانع الحرب لا يمكن أن يصنع السلام مثلما يستحيل أن تستخرج العسل من المر.
صحيح أنه في أحيان كثيرة تكون الحرب ضرورة تفرضها المتغيرات المحيطة، وفي هذه الحالة يكون المحارب الواقف في مواجهة المعتدي قادراً على صنع السلام، ذلك أن حربه في الأصل كانت من أجل السلام ومن أجل الحفاظ على المجتمع، أما حين يكون صانع هذه الحرب قائماً -في فلسفته- على استمرارها، فإن الأمل في أن يكون رجل سلام هو كالأمل في أن يصبح الشيطان مصلحاً اجتماعياً.
المتأمل في مسيرة الحوثيين التوسعية منذ ظهورهم في العام 2004 وحتى الآن، يجدهم حركة دينية سياسية توسعية قائمة في أساسها على فكرة الحرب، فتمددها لم يكن تمدداً خارج قوة السلاح، فبه ظهرت وبه سيطرت على اليمن وبه تستمر في نهب ثرواته وقتل شعبه وانتهاك حرماته والاستمرار في العبث بكل مقدراته. لا يستطيع الحوثي ولا حركته أن يعيش دون حرب، فالحوثي دون حرب لا شيء، وهذه العقيدة مترسخة في أذهانهم بكل وضوح بأنهم أبناء الحرب وأنصارها وليسوا أنصار الله كما يدعون. فهل يمكن أن يكون أنصار الحرب أنصاراً للسلام؟
ومن منظور آخر نرصد الأمر لنجد أننا نصل إلى النتيجة نفسها. بعد كل هذه السنوات الإثنتي عشرة التي مرت خلالها هذه الحركة المحاربة، كم من اتفاق للسلام وقعت؟ وهي توقع اتفاقية سلام لكي تنتهكها في ضربة قاضية، وتتجاوزها لفتح جبهة حرب جديدة تنتهي بسلام مؤقت أيضاً، ويكون معرضاً لكل الإتفاقات السابقة. اتفاقات للسلام لا حصر لها كان آخرها اتفاق ضربت به الجماعة عرض الحائط، هو الإتفاق الذي أبرمته هي وفرضته على اليمنيين حكومة وشعباً ومؤسسات وشركاء سياسيين، وأسمته اتفاق "السلم والشراكة"، الذي وصلت بعده الجماعة إلى سدة الحكم عبر لجنتها "الثورية العليا"، وهكذا رسخ لدى الأذهان أن السلام واتفاقياته مع الحوثيين يؤدي إلى حروب جديدة أكثر عنفاً وتطرفاً.
الجماعة الحوثية وشركاؤها هم تجار حروب أو أبناء حرب أو منتج من منتجات الحرب، فكيف يمكن لنا أن ننتظر منهم السلام؟ في الحقيقة هم لا يفهمون السلام إلا بأنه خطوة أو محطة للتخطيط لحرب قادمة. فالنظر إلى الحرب من وجهة نظرهم يعني أن الحرب ليست للدفاع عن النفس، وإنما هي فلسفة حياة يجب الإلتزام بها كي يستطيعوا العيش والاستمرار. حيث تختلط الحرب لديهم بمستويات عميقة لها ارتباطات دينية وسياسية وأيديولوجية، إضافة إلى الإرتباط العضوي المتمثل بأن الحرب -في الأساس- جزء أساسي من وجودهم، فهل يستطيع الشيء التخلي عن جوهره دون أن يكون معدوماً؟
ذاكرة اليمنيين مثقلة بالحرب على مستويات مختلفة داخلياً وخارجياً عبر التاريخ، لا سيما تاريخه الحديث. والسلام في كل تلك السنوات هو مجرد فقرات أو محطات انتظار، فأطول فترة عاشها اليمن في عصره الحديث بدون حرب لا تزيد عن عشر سنوات. والسبب الأساسي أن كل التحولات السياسية تفضي إلى القتلة دائماً، والقاتل لا يعيش إلا على الحرب والموت، لهذا فالمراهنة على إيجاد السلام من صناع الحروب هي مراهنة خاسرة.
التعليقات