تختلف مآسي الشعوب والمجتمعات مهما بدت متشابهة أو متقاربة أو تربطها صلات عرقية أو قومية أو لغوية أو ثقافية معينة. ففي أثناء ثورات الربيع العربي التي اجتاحت الشرق الأوسط، شرع المحللون والسياسيون، سواء الذين كانوا مع الأنظمة أو ضدها، في سرد التمايزات والتشابهات لشعوب المنطقة، ورصد التشابه والاختلاف، أملاً في الوصول إلى تنبؤات معينة بناء على هذا القياس، ولكن تبين من خلال حركة هذه الثورات أنها سارت بكل دولة إلى مسار مختلف تماماً، بدءاً من تونس فمصر وليبيا وسوريا واليمن. فكل من هذه الدول الخمس التي شهدت قوة حركة ثورات الربيع العربي وصلت إلى نتائج مختلفة تماماً لكل دولة، بناء على موروثها الثقافي والفكري والاجتماعي والسياسي. وفي حين نجت تونس من الوقوع في الفوضى، وصلت الحال باليمن وليبيا وسوريا إلى حرب مازالت تدور رحاها حتى اللحظة دون وجود بارقة أمل بأن تضع أوزارها قريباً.
في كل البلدان التي شهدت الحروب والصراعات ضمن إقليم الربيع العربي، كان للصراع في اليمن شكله المختلف والمميز الذي يجعل منه أشبه بصراع الكل ضد الكل، والذي يجر معه حرب الكل ضد الكل، ليس على مستوى المتصارعين فحسب بل وأيضاً على مستوى العلاقة التي تربط المواطن البعيد عن أطراف الصراع بغيره محلياً ودولياً.
لقد عمل الحوثيون وفي المقابل من وقفوا في وجوههم، لا سيما التيار السلفي الذي بدأ معه الصراع، على تأصيل الحرب والصراع بوصفه حرباً مقدسة؛ فالحوثيون يرون أنه "جهاد" ضد أمريكا وإسرائيل كما تقول شعاراتهم، ويجيش المواجهون لهم الناس لحرب الحوثيين بوصفهم "روافض" وأصحاب عقيدة هدامة دخيلة على اليمن واليمنيين. وهكذا يتبين الملمح الأول من صراع الكل ضد الكل، فالحوثيون ومن والاهم يزحفون ويتوسعون ويقودون حربهم ضد الكل المخالف لهم، فيفجرون بيوتهم ويحاصرونهم ويهجرونهم كما فعلوا في عدد من القرى بدءاً من قرية دماج. وكان الخطاب المقابل أيضاً يصنف الحوثيين بأنهم "حاملو الفكر الإثني عشري الدخيل"، ووصل البعض إلى وصف كل مناطق شمال الشمال بأنها مناطق حوثية، على غير ما هي الحقيقة، مما يجعل نمط العقاب الجماعي يغلف هذا الخطاب، ويترتب عليه الكثير من المآزق التي تجعل الكثيرين يتعاطفون مع الحوثي لا لأنهم يؤمنون بما يدعو إليه، ولكن لأنه سيكون المدافع أمام هذه الهجمة العمياء التي لا تتقصى الحقيقة إنما تسيرها الرغبة العمياء في الانتقام.
الأمر الآخر المتعلق بعقاب الكل على غير ما هو موجود في الكثير من البلدان التي تشهد صراعات، هو ما تمارسه الدول كلها ضد اليمنيين، حتى تلك الدول التي أخذت على نفسها مسؤولية حماية اليمن والشرعية فيها، لم تتحمل لا المسؤولية القانونية ولا الإقتصادية ولا الأخلاقية تجاه اليمنيين؛ بل في كثير من الممارسات تبين أن الشعب يتعرض لأكبر عملية عقاب جماعي من كل الدول تقريباً، حتى الدول الكبرى والراعية للمبادرة الخليجية ومجلس الأمن وغيره. أصبح اليمن واليمنيون بكل طوائفهم ومناطقهم محاصرين ولا يستطيعون الذهاب إلى أي مكان، فحملك الجواز اليمني كفيل بأن يجعلك من المغضوب عليهم من قبل الجميع. لا يتم تقييم الأمر على مستوى فردي، إنما القرار جماعي بأن حامل الجواز اليمني ليس لديه أي حق في الانتقال أو العمل أو الحركة أو العلاج. وعلى الرغم من أن هذا الأمر يتعارض مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإن كل قوانين حقوق الإنسان تتبخر حين يتعلق الأمر باليمن. يبدو كما لو أن اليمن واليمنيين لا يستحقون الحياة، ولا يحق لهم أن يكونوا كأي إنسان في هذا العالم. كل القوانين والتعليمات وفي كل مكان تقريباً تضع اليمني كعنصر غير مرغوب به إلا في جبهات القتال، في أغرب وأكبر عملية عقاب تقوم بها جماعات الدول ضد اليمنيين جميعهم.
التعليقات