اليمن بحسب الدستور بلد بنظام رئاسي برلماني؛ فالسلطة المركزية بيد الرئيس وتشكل أغلبية البرلمان الحكومة، ولهذه الحكومة السلطة التنفيذية التي تأخذ على عاتقها مسؤولية التنمية وتنفيذ السياسات العامة وتطبيق القوانين والأنظمة التي يشرعها البرلمان. بيد أن أياً من ذلك لم يحدث في تاريخ اليمن حتى اللحظة، ولم تتحول المواد الدستورية إلى ترجمة فعلية، منذ زمن الشمولية المقوننة وحتى الشمولية التي تختفي تحت ستار الدستور والقانون والديمقراطية. لقد كانت الحكومات في تاريخ اليمن الحديث وحتى اللحظة مجرد واجهات ديكورية تؤدي أدواراً تزيينية لا أكثر، في حين تكون السلطة الفعلية بيد أخرى خفية وغير منظورة، فكانت قبل عام تسعين في يد النفوذ القبلي والعشائري والعسكري في الشمال، وفي الجنوب بيد الحزب الإشتراكي الذي يملك كل شي، ويكون الجهاز الإداري للحكومة مجرد واجهة ليس أكثر.
جاءت وحدة العام 1990 ويفترض بها أن تنقل البلد إلى حالة ديمقراطية جديدة تكون للحكومة فيها استقلالها، الذي بموجبه تستطيع أداء مهامها في تطبيق النظام والقانون بمعزل عن الحاكم الخفي، لكن ذلك لم يحدث وكان هذا هو السبب المركزي الذي أدى إلى حرب 94، حيث لم تستطع حكومة المهندس حيد العطاس أن تفلت من نفوذ التيار القبلي الذي أراد أن يحتفظ بقدرته على إدارة الحكومة من خلف الكواليس، فكانت الحرب هي أهم نتيجة لهذا الصراع الخفي بين الحكومة والحاكم الخفي.
أدت حرب 94 إلى عودة الحكم الخفي إلى يد النفوذ القبلي العسكري في الشمال بقيادة علي عبد الله صالح، فعمل على تشكيل حكومات متعاقبة كانت رئاساتها غالباً بأيدي قادة من الجنوب، ووزراء من الجنوب، مؤدين دوراً شكلياً يغطي ما يعتمل تحت الستار من نفوذ يستشري في جسد الدولة والمجتمع، مدمراً في الدرجة الأولى التكافؤ المفترض بين شركاء الوحدة، ومدمراً النظام والقانون، وعاملاً على الكسب غير المشروع ونهب المال العام، وزيادة نفوذ الشركات الخاصة التي تملك كل الإمتيازات على حساب الدولة والبلد ككل. لقد ظلت حكومات ما بعد عام 94 وحتى حكومة التوافق عام 2012 بلا حكم عملياً، سوى بعض الإجراءات الشكلية التي تصنع غطاءً معتماً يسمح للمتنفذين ببسط سلطتهم العملية والتحرك بحرية مطلقة داخلياً وخارجياً.
بعد تنحي علي صالح في العام 2012، تشكلت حكومة "الوفاق" التي كان من المفترض بها أن تكون حكومة ثورة، تسعى إلى قلب الأوضاع وتحقيق الأهداف المشروعة للشباب الذين انقلبوا على هذا الشكل من الحكم المستبد المغلف بالديمقراطية، فإذا بها لم تستطع أن تفلت من تيارات النفوذ وكانت نسخة مكررة من أداء الحكومات السابقة بعد أن أضيف لها التجاذب بين النظام القديم والنظام الجديد، وهما يتشاركان نفوذاً مخفياً لا تملك حكومة باسندوة منه إلا الشكل فقط.
أطاح انقلاب الحوثيين وصالح بحكومة باسندوة وحكومة بحاح، ثم قام عبدربه منصور هادي في المنفى بتشكيل حكومة يفترض بها أن تكون حكومة شرعية، تعمل على تثبيت دعائم شرعيتها عبر العمل الجاد على معالجة ما يمكن علاجه، والعمل المباشر على تحسين وضع المناطق التي تسيطر عليها هذه الحكومة، ولكنها صارت تعمل بالآلية القديمة نفسها، وتظل فاقدة ليس للأرض التي تنطلق منها بقوة فحسب، بل أيضاً تفتقر إلى المبادئ التي تجعل منها حكومة مسؤولة أمام شعبها؛ إنها فاقدة السلطة ليس مضموناً فحسب بل إن أغلب وزرائها فاقدون للسلطة في الشكل أيضاً، ففي حين أن بعض الوزراء يعملون من مكاتب في الرياض فهناك بعضهم لا يملكون حتى مكتباً.
وفي مربع الإنقلاب ظلت المكاتب تعمل في صنعاء لما يقرب من عامين بدون حكومة، لقد ظل الحاكم الفعلي هو الذي يدير دفة الحكم هناك دون أن يحصل أي ارتباك، ولكنهم الآن ولأهداف تكتيكية قاموا بتشكيل أكبر حكومة في تاريخ المنطقة تتألف من 42 وزيراً، ومن خلال ما ظهر من أسماء وجهات يتبين أنها ستكون حكومة بلا حكم كسابقاتها، ولن يتغير في الأمر شيء. هي فقط حكومة لأغراض تكتيكية سياسية وحربية تتعلق بما يعتمل في الخارج، أكثر من كونها ذات أهداف تنفيذية؛ فهي في الأساس وليدة هذا الغول الخفي الذي ظل يحكم اليمن تحت حكوماته لأكثر من 35 عاماً.
وهكذا يتبين أن اليمن عبر تاريخه الحديث سلماً وحرباً كانت كل حكوماته بلا حكم، وإنما تعمل على تزيين الحكم الخفي لأدوات النفوذ، ولن يكون هناك مستقبل نقي وصادق ما لم يكن هناك خط واضح يبين أداء الحاكم الفعلي، وحين تكون الحكومة هي الحاكم الفعلي للبلد وليس تيارات النفوذ الخفية.
التعليقات