سقطرى ليست مجرد جزيرة، بل إنها إنسان وأرض واسعة ومتنوعة جغرافياً وتاريخياً وثقافياً. فهي تملك مساحة 3500 كم2، وهي مساحة أكبر من مساحة دولة البحرين أربع مرات، وعدد سكانها 100 ألف نسمة، وهو رقم يتجاوز عشرات الدول الصغيرة حول العالم. وعلى الرغم من أهميتها التاريخية والإستراتيجية والثقافية والسياحية فإن الحكومة اليمنية لم تولها أي اهتمام يليق بها، حيث ظلت على حالتها دون أي اهتمام لا بالإنسان ولا بالمكان، سوى ما كان من الإستفادة منها من قبل بعض جهات النفوذ، التي حاولت استغلال مواردها الإقتصادية في الجانب السياحي وفي الأراضي وفي الموارد البحرية. أما حديثاً فقد وصل الإهمال درجة التسيب حد الموت، حيث يُترك الإنسان السقطري يموت في رحلة البحث عن الحياة من وإلى جزيرته.
ظلت سقطرى منذ القدم على حالها من العزلة عن العالم، ولكنها مع دخولها العصر الحديث استطاعت أن تتصل بهذا العالم عبر عدد من الوسائل، وكان أغلبها هي تلك السفن الخشبية التقليدية التي تعتمد في تصميمها ومواد بنائها على الطريقة نفسها المستعملة في القرون السابقة. وقد وفرت الحكومات السابقة الطيران العسكري الذي كان يعمل على خدمة المواطنين في تنقلهم من وإلى الجزيرة، حتى تم افتتاح المطار المدني في بداية الألفية الحالية مما ساعد على تسهيل الحركة من وإلى الجزيرة وبأسعار معقولة التكلفة، وساعد هذا على حصول نوع من الحركة التجارية والإستثمارية. بيد أن الحرب الأخيرة قد تسببت في إيقاف الحركة الجوية إيقافاً شبه دائم، مما جعل المواطنين يستعملون الوسائل التقليدية والعودة إلى المراكب الخشبية في تنقلهم.
كانت تلك المراكب في السابق تنقل البضائع بين المكلا عاصمة حضرموت وسقطرى، وكانت تتعرض لكثير من الحوادث منها الغرق، حيث يغرق في العام الواحد مركب على الأقل بحمولته، بيد أن ذلك لم يكن ملحوظاً، إذ إن الخسائر تكون في أغلبها مادية، ولا ينتبه لها أحد لأن لا أحد يهتم أصلاً للضحايا. يتعلق الأمر هنا بالكم فقط، ولا ينتبه الناس إلا إلى كمية الضحايا حتى يأخذوا الأمر على محمل الجد.
في العام الماضي أيضاً، وفي أثناء هذا الحصار الجوي الغريب على سقطرى، انقطع الإتصال عن مركب محمل بالمواطنين وهو في طريقه إلى سقطرى، وتأخر بسبب العطل لعدة أيام في عرض البحر. كانت هذه الحادثة بمثابة إنذار للحكومة ولأولي الأمر لو كانوا يعقلون، ولو كانوا يهتمون لأمر المواطنين، ولكنهم لم يحركوا ساكناً وظلت أجواء الجزيرة مغلقة عن الرحلات دون مبرر، في الوقت الذي يشتغل فيه طيران "اليمنية" محتكراً الرحلات، ومستغلاً الوضع المتردي؛ فضاعفت الشركة أسعار تذاكرها موصلة إياها حداً غير معقول.
لم ينظر أحد إلى أن لسقطرى بشراً، لهم الحق كل الحق في وسيلة نقل آمنة تنقلهم وتنقل إليهم متطلبات الحياة الأساسية. لماذا يدفع السقطريون ضريبة هذه الحرب البعيدة عنهم؟ ما الذي اقترفوه حتى يكونوا محاصرين؟ هل هذا هو ثمن يمنيتهم؟ ما المسوغ لأن تظل سقطرى بلا رحلات طيران؟ ولماذا لا تعمل الحكومة وقوات التحالف على توفير طيران بأسعار ميسرة لأبناء سقطرى لتمكنهم من الدخول والخروج بسهولة، ودون أن يغامروا ويلقوا أنفسهم في غيابة اليم؟
إن هذه الرحلات المحفوفة بالموت تتحمل وزرها الحكومة التي تقول إنها شرعية، فهي المسؤول الأول الذي جعل هذه الجزيرة وأهلها يموتون في البحر دون أي مبرر لذلك. هل يدفع السقطريون ثمن أنهم يمنيون وثمن أن بلادهم مع الشرعية وثمن أنهم لم يأووا الإنقلابيين ولا الإرهابيين؟
التعليقات