بالنظر إلى حركة التاريخ وتطور الوعي الإجتماعي للمجتمعات، لا يمكن القول بوجود ثبات للقيم؛ ذلك أنها قائمة على أسس أخلاقية أو فكرية أو فلسفية أو دينية، تتعرض للتغير باستمرار، وهو ما يجعل من هذه القيمة غير ثابتة ومتحولة داخل المجتمع ذاته، ويزيد الأمر تعقيداً بين مجتمع وآخر. وفي عصرنا الحاضر، يبدو أن هذه القيم - التي كانت تبدو للبعض راسخة وثابتة - قد تعرضت لهزات عنيفة جعلت القيمة الواحدة تتغير في فترات زمنية بسيطة، في حين كانت في السابق تحتاج إلى سنين طويلة ومتباعدة حتى يبدو التغير تدريجياً وغير ملحوظ.
ومعنى القيمة هنا - في بعدها الإجتماعي والديني والسياسي- هو المعنى المقارب للقيمة في بعدها اللغوي؛ حيث يرى ديسوسير أنها تختلف عن المعنى، ففي حين يكون المعنى هو الناتج بين الشيء ورمزه اللغوي، فإن القيمة تتحدد غالباً بعلاقته بأشياء أخرى شبيهة له تماماً. فالعملة معناها ثابت، بيد أن قيمتها - غالباً - تتحدد بمقارنتها بعملات أخرى، إما من فئتها أو بعملات أخرى؛ فقيمة ورقة ألف ريال يمني تتحدد قيمتها بمقارنتها بورقة خمس مائة ريال يمني، أو بمقارنتها بالدولار أو غيره من العملات. وعلى هذا الأساس اللغوي للقيمة نقيس القيمة في بعدها الإجتماعي والأخلاقي والسياسي، إنها غالباً معرضة للتحول أو الصعود أو الهبوط تماماً كقيمة السلع. الأمر له علاقة بالعوامل الإقتصادية والسياسية والإجتماعية وعلاقة المجتمعات بالمؤثرات الخارجية، لا سيما حين يتعلق الأمر بتداخل القيم وامتزاجها وتصارعها أحياناً، وهو ما يجعل الحاضر أكبر شاهد على تداخل هذه القيمة وهبوطها أو تحولها وزوالها وظهور أخرى، بفعل قوة المؤثرات الخارجية القادمة بفعل تكنولوجيا المعلومات ووسائل التواصل الرقمية التي داخلت بين المجتمعات وأنتجت قيمها الحديثة بطريقتها الخاصة.
إن الحديث عن حراسة القيم أمر صعب المنال حتى في تلك الظروف التي كانت تهيأ لبعض المجتمعات، فقد كانت القيم مهددة بالتحول بين الحين والآخر. لقد سعت عبر التاريخ الأنظمة الثيوقراطية إلى عزل شعوبها عن المؤثرات الخارجية تحت ذريعة حماية القيم الأصيلة في المجتمع، ولكنها في النهاية تفشل بل إنها تعرض مجتمعاتها إلى زوال الثقة بالذات؛ حيث تكون أجهزة معينة داخل المجتمع هي المسؤولة عن حراسة هذه القيم لا أفراد المجتمع ذاته، وهو ما يؤدي في لحظة ما إلى التحول المفاجئ لكل القيم الموجودة وتلبس القيم السلبية بصورة رد فعل طارئة وقوية.
ولكن لنا هنا أن نتساءل: هل بالفعل القيم يمكن أن تتحول؟ وهل الخطر في تحول القيم أم في تحول المبادئ؟ باعتقادي أن القيم طالما ارتضينا أن نضعها تحت هذا الإسم فنحن نسلم بأنها كأي قيمة قابلة للتحول بناء على المؤثرات داخل المجتمع وخارجه. ومن هنا، فإنه ينبغي التفريق بين القيم والمبادئ، فالمبادئ - غالباً - تتسسم بالثبات عبر الأزمنة والأمكنة، وهي مبادئ ذات رسوخ إنساني يقاوم العوامل التي تسعى إلى تغيرها مهما كانت. فمبادئ مثل حق الحياة، وحق الحرية، وحق المساواة، ورفض الظلم، والحث على الصدق، والكرامة، كلها مبادئ وليست قيماً. إنها مبادئ لايمكنها أن تتحول لا بتحول الفسلفات ولا بالعوامل الإقتصادية ولا الإجتماعية.
إن من المحزن حقاً أن نكون شاهدين مباشرين على تحولات عميقة لا تمس القيم فحسب، بل إنها وصلت إلى تحولات المبادئ وبصورة لا تقبل التشكيك. لقد عملت التحولات العميقة في المجتمعات العربية في الفترة الحالية على تقديم نماذج حية ومباشرة لتجسيد مباشر لعدد من تحولات المبادئ، حيث تبين وقوف داعي الإشتراكية ومنادي العدالة الإجتماعية مع الإقطاعي الرجعي، ووقوف رجل الدين مع القاتل اللص، ووقوف الليبرالي المنادي بالحرية والمساواة مع المستبد، وتحول الأممي إلى شيخ قبيلة، والمثقف الموسوعي إلى محرض عنصري. باعتقادي أن الأمر تجاوز تحولات القيم إلى تحولات عميقة في المبادئ، متخطياً حد التحولات المعقول إلى ما لا يشبه المعقول.
التعليقات