تحصد الحرب الدائرة في اليمن مئات الضحايا بشكل يومي، منذ اندلاعها في مارس 2015، على جبهات القتال المختلفة في المواجهات المسلحة، أو قصفاً بالطيران، أو بمفخخات "القاعدة" و"داعش". وهكذا نجد الآن آلاف الأشخاص ممن حصدت أرواحهم هذه الحرب بشكل مباشر، إما لأن هؤلاء ارتضوا أن يكونوا جزءاً منها، أو أنها طالتهم نيرانها إلى بيوتهم أو مساكنهم أو طرقهم أو أماكن عمهلم. فهذا هو متن الحرب وضحاياها، بيد أن هناك ملايين ممن هم على هامش هذه الحرب، وهم الضحايا الذين لا ينتبه إليهم أحد، يموتون، دون أن يسجلوا شهداء في كشوفات أي من الأطراف المتصارعة مع أنهم ضحايا مباشرون لهذه الحرب الملعونة.
لقد كان آخر هؤلاء الضحايا هم شهداء السفينة التي غرقت في سواحل سقطرى، وقبلهم المئات من السقطريين الذين صاروا دون إرادتهم في هامش هذه الحرب، التي حاصرتهم في جزيرتهم دون مواد غذائية كافية أو وقود، أو مستلزمات طبية أو رعاية صحية جيدة. فالمستشفى الوحيد في الجزيرة يفتقر إلى المعدات اللازمة للعمليات الجراحية، ناهيك عن الكوادر والعلاجات. ماذا يمكن أن يصنع المضطر لإجراء هذه العمليات الجراحية أو مرضى الكلى أو القلب أو غير ذلك؟ لقد حصد الموت رقاب الذين هم على بعد مئات الأميال عن جبهات القتال، ولكنهم رغماً عنهم في هامش الحرب.
مثل هؤلاء السقطريين البسطاء، هناك الآلاف من المرضى الموزعين على محافظات الجمهورية اليمنية، ممن تقطعت بهم السبل وانعدمت في مستشفياتها القدرة على استيعابهم أو علاجهم. الآلاف من مرضى الكلى ومن هم بحاجة إلى الغسيل الدوري لم تعد المراكز قادرة على استيعابهم أو غسل كلاهم؛ فلا مواد لازمة ولا طاقة. ومئات المصابين بالسرطان وغير ذلك من الأمراض الخطيرة لم يعد هناك إمكان لعلاج الكثيرين منهم. فما كان ضعيفاً قبل الحرب أصبح معدوماً بعدها، لقد أقفلت الحرب هذا الهامش من الحركة لتحوله إلى هامش حرب، يحصد الناس بعيداً عن خطوط المواجهة.
إنفجرت الحرب بداية في عدن ولحج ومناطق الجنوب، فنزح عشرات الآلاف حين فقد الكثير منهم منازلهم وممتلكاتهم، لقد نزحوا إلى حضرموت وبعض المناطق الأخرى، فكان بعض منهم يموت في رحلة النزوح الإجباري، ويكون الضحايا أرقاماً هامشية في هذه الحرب. ثم التفت الأمراض والأوبئة على المناطق المختلفة في الجمهورية اليمنية حاصدة أرواح المئات، ليكونوا شهداء غير مرصودين على قائمة شهداء الحرب.
على الرغم من أن أطراف الصراع في هذه الحرب تبدو واضحة تماماً، فإن رصداً دقيقا لأمرائها وأدواتها سيبين أن الحرب لم تأت على أحد منهم. لقد حصدت في متنها الآلاف ممن رضوا أن يكونوا أدواتها، وعشرات الآلاف في هامشها، وملايين آخرين على قائمة الضحايا إما بالموت المباشر أو بالموت كمداً وقهراً وخوفاً وقلقاً، أو بالموت جوعاً وتشريداً، بين دول المنافي. إن هذه الحرب قتلت الآلاف في طريقها وها هي تضع الملايين في عداد المهيئين لهذا الموت في هامشها.
التعليقات