قارئ تاريخ اليمن الحديث، لا سيما اليمن المتشكل بعاصمته صنعاء وما حولها، سواء بداية هذا القرن أو القرون السابقة، سيجد أن الأنظمة المتعاقبة على هذه البقعة الجغرافية من الأرض تزول وتأتي غيرها مكانها، تتغير هويتها السياسية والدينية والقبلية، ولكنها تظل حاملة للبنية الأساسية ذاتها. ومهما كان شكل النظام الجديد وشعاراته، فإنه يقوم بالسلوك نفسه ويؤدي الوظائف ذاتها التي كان يؤديها النظام الذي قبله؛ فمنذ الأئمة، فالجمهوريين الأوائل فالجدد، فالوحدويين، فالثوريين، فالإنقلابيين، لا شيء يتغير مطلقاً سوى الأسماء.
كان الشاعر المبصر، عبد الله البردوني، يدرك مأساة اليمن، مسجلاً في شعره خلاصات يستنبطها بحدسه ورؤيته الثاقبة لمجريات الأحداث من حوله. ويمكن لقارئ شعره أن يجد الكثير من الصور التي تجسد خيبة أمله في التغيير المنشود الذي حمله البردوني، نيابة عن كل إنسان في هذه الأرض يحلم بأن يكون إنساناً له كل حقوق الإنسانية. يقول في قصيدة مأساة حارس الملك: أي نفع يجتني الشعب إذا... مات (فرعون) لتبقى الفرعنة؟ لقد حمل البردوني الثورة في كلماته، لكنه كان أول من رصد تحولها عن مسارها، ليعلن بعد ذلك انطفاءها حين وجد أن هذا النظام الثوري الجديد بدأ يتشكل على قاعدة النظام السابق ذاتها، ففرعون الإمامة مات، ولكن بنية الفرعنة مازلت حية ولم تمت بعد، متسائلاً عن جدوى هذا التغيير المفرغ من مضمونه.
درس الناقد الروسي، فيلاديمير بروب، الحكايات الشعبية في روسيا. وبعد استقصاء تلك الحكايات وتحليلها، عبر فحص بنيتها التي تتشكل من وظائف مختلفة، مثل وظيفة المنح، ووظيفة الرحيل، ووظيفة خرق المانع ... إلخ، وجد أن الوظائف لا تتعدى 31 وظيفة وأن كل الحكايات الروسية ومن ثم العالمية تحتوي على هذا العدد المحدود من الوظائف. فالوظيفة داخل الحكاية هي العنصر الثابت، في حين أن المتغير من حكاية إلى الأخرى سواء داخل اللغة ذاتها أو بين لغة وثقافة وأخرى، هو فقط الإسم والصفة. هذا ما يمكن أن تدرس عليه الأنظمة المتعاقبة في اليمن؛ الوظائف التي تؤديها ذاتها: وظيفة التجهيل، وظيفة المنع، وظيفة السلب، وظيفة التجويع... إلخ، وتختلف فقط الأسماء: إمام، رئيس، زعيم، سيد، ... إلخ، والصفات: ثائر، مصلح، مجدد، ... إلخ.
إن التغيير المنشود يأتي بالبحث عن تغيير بنية هذه الأنظمة وليس شكلها ولا مسمياتها. لقد كان أكبر خطأ ارتكبه الشباب في ثورة التغيير هو أنهم استهدفوا تغيير الأسماء والصفات وأبقوا على بنية النظام ذاتها. الأمر يحتاج إلى استراتيجية تغيير تتعمق في جذور المجتمع لتحدث انقلاباً في طريقة تفكيره وفي بنيته، وهو ما يحتاج اشتغالاً ليس على مستوى السطح إنما يستهدف العمق، ذلك أن هذه الأنظمة متجذرة على مدى قرون ولها ارتباطات قبلية ودينية واجتماعية. إن النموذج الذي قدمه الحزب الإشتراكي في الجنوب كان شاهداً على هذه الإستراتيجية في تغيير بنية النظام - مع التحفظ على سوء النظام الجديد - فقد كانت تجربة جريئة؛ إذ عملت على تحويل المجتمع من القبلي البسيط إلى مجتمع الدولة الحديث، ولكن تحالف 94م أعاد هذا النظام إلى البنية التقليدية، بدلا من الإستفادة من التجربة ذاتها وتطويرها وتعديل عيوبها... تمت العودة بالكل إلى ما قبل شكل الدولة الحديثة.
التعليقات