يعد التقليد الخطوة الأولى باتجاه الإبداع؛ التقليد العلمي أو المحاكاة الهادفة التي تكون في المراحل الأولى من مراحل التعلم، حيث يُتبع النموذج الأكمل، فيحاول الطرف المقلد أن يستنسخ هذه التجربة أو هذا العمل بغية تطويره وتجاوزه إلى أفضل منه. إنه التقليد لغرض معين ومحدد وهو التقليد من أجل التعليم، ومن أجل الإستفادة من الخبرة بغرض الإتيان بأفضل منها، التقليد هنا بوصفه جزءاً من عملية تعليمية متكاملة. ولا يمكن الحديث عن إبداع من اللاشيء، لا يمكن للمبدع في أي مجال من المجالات أن يخرج للعالم بعمل متفرد ومتميز دون أن يكون قد مر بمرحلة محاكاة الموضوعات التي تندرج في إطار اهتمامه، ولن يصل إلى ابداع أي شيء دون أن يكون قد تعلم من قبل عن أشياء تحيط به وقريبة منه، بعد ذلك يتجاوز الجميع ليتفرد بإبداعه الجديد. هل يمكن تصور شاعر وضع بصمته الخاصة في الشعر العربي أو العالمي دون أن تكون قصائده الأولى محاولات تقليد لشعراء معروفين ومشهورين قرأ لهم؟ وهل يوجد فنان عالمي له صوته وبصمته في عالم الفن دون أن تكون أغانيه الأولى هي ترديد أغان معروفة؟ هذا التقليد طبيعي في سياقه، ولكن المشكلة حين يكون التقليد هو الهدف، وهو الغاية التي يقف عندها المبدع فلا يتجاوزها ويظل عند مستوى محاكاة الآخرين والبقاء عالة على ما ينتجونه. وهذا هو التقليد السلبي الذي يكون في هذه الحالة غاية، تضع صاحبها في عداد المتطفلين على ما ينتجه الآخرون.
إن الفن يتناقض مع فكرة التقليد بشكل عام؛ فحين نتحدث عن التقليد حتى في سياقه التعليمي المذكور، فنحن لا نصل إلى مرتبة الفن، ذلك أن الفن هو الوصول إلى قمة الفرادة والتميز والإتيان بالجديد والمختلف، أما ما عدا ذلك فإنه يتناقض مع فكرة الفن ذاتها. الأمر الأسوأ من ذلك أن يكون هذا الفن تقليداً فحسب، ليس تقليداً من أجل التطوير والتجاوز، وإنما تقليد من أجل التقليد، وهنا نكون بإزاء التقليد الأعمى.
إنتشرت حديثاً أغنية باللغة الإنجليزية للفنان المغربي ريدوان وأسيل عمران، عنوانها "Don’t You Need Somebody". المميز فيها أن الكليب المصاحب لها كان بأداء أكثر من فنان ومبدع عالمي في مجالات مختلفة، رياضة وغناء وتمثيل وتصميم. هنا نكون أمام عمل فني وخطوة مختلفة استطاعت أن تضع بصمتها الخاصة على طريق العالمية، من خلال جعل الفن لغة لا تنحصر بثقافة معينة ولا بوطن معين ولا بهوية واحدة، تنشر السلام والحب في مواجهة الألم والموت والجوع والخوف. فالفنانان أديا الأغنية، ولكن الكليب جعل الصور تظهر من شتى بقاع الأرض، وكأنهم جميعاً يؤدونها. أغنية واحدة وثقافات متعددة، ليكون الفن لغة العالم.
نسق التقليد الأعمى التقط هذه الخطوة ليصنع نسخاً محلية منها، فظهرت النسخة المصرية والنسخة السودانية والنسخة اليمنية والنسخة الحضرمية... إلى آخر النسخ التي تتوالى تباعاً، فقط ليرددوا كالعميان كلمات الأغنية مع إبراز الملامح المحلية لكل بلد، فتشوهت الفكرة الرئيسية للأغنية دون أن تقدم النسخة المقلدة أي شيء على الإطلاق سوى التسطيح. الأغنية بحد ذاتها وبكلماتها فقيرة إلى أي مضمون، ولا يوجد فيها ما هو مميز غير فكرة الكليب وأدائه المتعدد، أما الكلمات فلا أعتقد أن أحداً من المقلدين سيجرؤ على النطق بها لو كانت مترجمة. ليس الأمر هنا محاكمة للكلمات، بقدر ما هو اعتراض على فكرة التقليد التي تمضي خلف النسق دون أن تقف وتتساءل لتضع لنفسها فكرة جديدة، أو على الأقل تطور الفكرة القديمة وتتجاوزها.
التعليقات