شهدت العلاقة بين المواطن والسلطة في اليمن تدهوراً منذ العام 1990 وحتى اللحظة، وصل إلى حد انعدامها تماماً. وليس معنى هذا أنها كانت قوية قبل هذا التاريخ، ولكن الأكيد أنها كانت شبه موجودة نتيجة لشكل النظام الذي كان يحكم الشطرين قبل الوحدة، وهو نظام الحزب الواحد، حيث يكون متحكماً عبر مؤسساته في تسيير الدولة وبقاء شكل معين من هيبتها التي كانت قوية بسلطتها في الجنوب وضعيفة في الشمال. وبعد العام 90 بدأت هذه الثقة تتراجع عبر تقوية مراكز نفوذ تتجاوز كل مؤسسات السلطة الحاكمة، لتمررمصالحها الخاصة على حساب مصالح المواطن من جهة، وعلى حساب معايير الدولة وأنظمتها وقوانينها من جهة أخرى. كما شهدت هذه الفترة الحروب المتعاقبة التي وصلت أخيراً حد تدمير كل أسس الدولة التي كانت مفرغة من مضمونها أصلاً، وبدأت الآن تتشكل ملامح دولة لا سيما في عدن وحضرموت وتحت قيادة سلطات لها قبول شعبي واسع، مما يجعل المسؤولية الأبرز أمام هذه القيادات أن تبدأ بإعادة الثقة التي فقدت بين المواطن والسلطة.
من صور تدمير تلك الثقة هو تغييب دور النظام والقانون لتحل مكانه الواسطة والمحسوبية والرشوة؛ وهكذا كان المواطن الذي لا يملك أحد هذه الأدوات لا يستطيع أن يضمن حظه في الوصول إلى ما يستحقه، سواء كان في مجال الوظيفة العامة أو التقاضي أمام المحاكم أو تسيير المعاملات أو في العلاقة مع الشرطة والضرائب والجمارك والمنافذ الحدودية. لا ثقة بالسلطة مطلقاً في كل جوانبها إدارياً ومالياً وأمنياً. لقد أدى غياب هذه الثقة إلى تدمير بنية المجتمع والاحتيال على الأنظمة والقوانين، مما أدى إلى إفراز الكثير من الإختلالات داخل المجتمع، فأثرت على العلاقات بين الناس، كما انعكست على الجوانب الإقتصادية والسياسية والاجتماعية، وأدت بالأخير إلى تدوهر فظيع في الجانب الأمني، حيث شعر المواطن أن معركة الدولة مع الإرهاب ومع مختلف الأخطار الأمنية لا تعنيه ولا تخصه، فكيف سيتعاون المواطن مع سلطة لا يثق بها؟ وكان المواطن لا يستطيع أن يبلغ عن أي جريمة إلى الشرطة لأنه لا يثق بأن هذه السلطة قادرة على حمايته، هذا إذا لم يساوره الشك بأن تكون هذه السلطة هي التي ستشي به إلى المجرمين.
هذا بصورة عامة، أما في الجنوب فكان هناك خلل أعظم، إذ تشكل له هذه السلطة سلطة احتلال مفروضة عليه فرضاً لا تمثله في شيء، ومن ثم فالتعاون معها شكل من أشكال الخيانة التي لا يمكن أن يجرؤ أي مواطن على فعلها. في الوقت الذي تتشكل فيه الآن ملامح دولة لا سيما في عدن وحضرموت، على السلطات هناك أن تدرك تماماً خطورة الثقة بين المواطن والسلطة، وبغير هذه الثقة لا يمكن أبداً أن يكون هناك أي تقدم لا على مستوى المجتمع ولا على مستوى بنى الدولة ومؤسساتها. وإعادة الثقة أمر صعب، ولكن ينبغي أن يتم استغلال هذا الظرف العصيب الذي جاء بعد تحولات قاسية، إذ يكون المواطن متطلعاً إلى هذه السلطة الجديدة بوصفها منقذاً له من ظلم السلطات السابقة التي فقد ثقته بها، وهذا الأمر لا يحتاج معجزة بقدر ما يحتاج إرادة صادقة للعمل على تجاوز كل صور السلبية القديمة التي كانت تمارسها السلطات الماضية. وليكن أولاً تطبيق النظام والقانون ومساواة الجميع أمامهما، وأن يشعر المواطن أن هذه السلطة بشقيها المدني والعسكري جاءت لتحميه وتخدمه وليس لتنفذ رغباتها السلطوية عليه.
التعليقات