إنطلقت الحركة الحوثية في توسعها باتجاه الإطباق على السلطة في اليمن، تحت شعار المسيرة القرآنية التي تضع أول سلم أهدافها محاربة التكفيريين. وقد بدأت حربهم بحصار قرية دماج التي كانت مكاناً للسلفيين ودار حديثهم، استمرت لأكثر من عام ودارت معارك طاحنة انتهت بتهجيرهم من هذه القرية إلى مناطق مختلفة من اليمن. ومن ثم استمر الحوثي بالتوسع حتى أسقط السلطة في صنعاء، ومن ثم غزا بقية اليمن وتوجه جنوباً حتى دخل عدن وأبين وشبوة ووصل حدود حضرموت وهو يلاحق التكفيريين و"الدواعش" كما يقول. إنتهت مسيرة ملاحقة التكفيريين بـ"بعاصفة الحزم" التي ما زالت تعصف باليمن حتى الآن ولم تقض على الحوثيين بعد، ولكن المهم الآن أن الحوثيين تحولوا من محاربين للتكفيريين إلى تكفيريين وبشكل رسمي.
لقد كانت أهم المسوغات التي استعملوها في حركتهم التوسعية هي محاربة المتشديين من "القاعدة" و"الدواعش" كما يسمونهم، وقد سهلت أذرع مخابراتية إنتاج تلك المبررات التي سمحت لهذه الحركة بالتمدد في مناطق مختلفة من اليمن، فكان تفجير الجوامع حافزاً رئيسياً ومنطلقاً للتعبئة وتجييش الناس من قبلهم لمحاربة هذا الفكر التكفيري المتشدد. إستمرت الحرب الحوثية على اليمنيين في الداخل تحت راية محاربة التكفيريين و"الدواعش"، ولكن بعد "عاصفة الحزم" وجدوا مبرراً يجعل من حربهم هذه ذات بعد وطني، إضافة إلى البعد الذي كانوا يتماهون فيه مع البعد الدولي الذي يحارب "القاعدة" و"داعش" وأنصارهم من المتشددين. إلا أنه مع استمرار الحرب، يبدو أن هذه الجماعة قد أحست بالإفلاس في التجييش والتعبئة العامة، فلم يكن بإمكانها إلا العودة إلى البعد الديني المتمثل في استعمال المصطلحات الدينية التي يمكنها أن تضلل من تستطيع تضليلهم، والزج بهم وبأطفالهم إلى ساحة المعارك.
لقد مثل لفظ المنافقين أهم هذه المصلحات التي لم يكن استعمالها عرضاً، بل استعمالاً ممنهجاً في خطبهم وكلماتهم ووسائل إعلامهم ومقالاتهم. والمنافق هنا يعادل تماماً لفظ المشرك الذي يستعمله "داعش" بوصف المناوئين له ومن يستحقون القتل من وجهة نظره. وهكذا سنجد المنافق من منظور الحوثي قد يكون مشركاً أيضاً من منظور "داعش"؛ فالعسكريون الذين تقتلهم "داعش" في عدن وتسميهم مشركين، هم أيضاً منافقون من منظور الحركة الحوثية. وفي كل الأحوال فالمنافق والمشرك كافر بالمنظور الديني، وهنا تكون الحركة الحوثية التي تحارب التكفيريين قد استعملت الخطاب التكفيري ذاته الذي انطلقت في سبيل محاربته.
الأمر الآخر والأكثر خطورة هو ما يجري الآن في اليمن، وما تقوم به الحركة الحوثية علناً، وفي حملة منظمة ومعد لها إعداداً على مختلف الجهات سياسياً وإعلامياً وعكسرياً، وهو ما تسميه بحملة "أشداء على الكفار"، وهي حملة تستهدف فيها الحركة التجييش لرفد جبهاتها بالمقاتلين من القبائل في المحافظات التي تسيطر عليها. فالحملة تنطلق من منطلق ديني، ينظر إلى الآخر المختلف معه على أنه كافر، وهكذا ينبغي أن ينطلق المقاتلون في سبيل القضاء عليهم بوصفهم كفرة ولا يستحقون الحياة. لا أعتقد أن "داعش" و"القاعدة" أكثر جرأة على التصريح بهذا التكفير، إلا إذا اعتبرنا أن الحوثيين يحاربون التكفير بالتكفير.
التعليقات