البلدة مصطلح متعارف عليه لدى أهالي حضرموت، توصيفاً لموسم يبدأ من 15 يوليو من كل عام، وينتهي تقريباً مع بداية شهر أغسطس، وفيه تكون مياه بحر المكلا باردة جداً، مصحوبة بأمواج وتيارات عالية، في الوقت الذي تكون فيه حضرموت وما جاورها تحت حمم صيف حار جداً، فتعمل تيارات البحر الباردة على تلطيف أجواء الصيف الساخنة، فيستشعر من يزور الشواطئ في هذا الموسم ذلك الإلتقاء العجيب بين الحرارة والبرودة، ويأخذ الناس قسطهم من الراحة بعيداً عن قر الصيف ومشاكله، وقرباً من هذا البحر وغموضه.
إضافة إلى هذه الحاجة للترفيه والالتجاء لبرودة البحر، فإن هناك اعتقادات شائعة بالقدرات العلاجية التي تكمن في مياه البحر الباردة في هذا الموسم، فيتقاطر الكثير من المحتاجين لهذا الإستشفاء والاغتسال في مياهه الباردة طلباً لعلاج أمراض المفاصل والأمراض الجلدية وغيرها. إن البلدة هنا ليست مجرد موسم فقط، بل هي ارتباط وثيق بين البلدة كزمن وموسم والبلدة كبلاد ومكان، ترابط بين الطبيعة والإنسان، ولكن هل استطاع الإنسان بالفعل أن يستغل هذا الترابط الوثيق لصالحه؟
البلدة ليست مجرد حدث عابر، بل موسم مرتبط بحركة الزمن، يعود كل عام في التاريخ نفسه ولهذا المكان نفسه، فالموسم يأتي بالتيارات وما يصاحبها من نسمات باردة محملة بالأمواج العالية التي تقذف نفسها على شواطئها المتنوعة، قاصدة هذه المنطقة من العالم خاصة، مقدّمة هذا التناقض المتناغم بين الحرارة والبرودة، مؤكدة على أن التناقض يمكن أن يكون انسجاماً.
إنها رسالة الطبيعة لهذه الأرض بكل خصائصها المختلفة والمميزة: تراث ممتلئ بكل التفاصيل التي تقدمه بصورة تميزه عما حوله، فن، ورقص، وموروث ثقافي، وآثار، وحضارة، والكثير من الخصائص التي تجعل من هذا المكان مكاناً مميزاً من حيث تفاصيل الإنسان أو الطبيعة في ما حوله، إضافة إلى غيرها من الخصائص التي يمكن أن تجعل هذا الموسم قبلة للسواح ليس من المحيط العربي فحسب بل من كل أنحاء العالم؛ إذ يكون هذا الموسم من العام هو موسم الإجازات والعطل، وبذلك يكون فرصة لاستقطاب الناس لزيارة هذا المكان، وشهادة هذا الحدث العجيب، والتعرف إلى أسرار الإنسان في هذا المكان العجيب أيضاً.
بكل تأكيد ما زالت البلد تعيش حالة صراعها من أجل الحصول على مقوماتها الأساسية، وتناضل من أجل لقمة العيش قبل أن تفكر في توظيف البلدة من أجل استقطاب السواح، ولكن لو نظرنا للأمر من زاوية أخرى فسنجد أن مشروع توظيف الموسم لتشجيع السياحة هو أمر في رأس الإحتياجات الأساسية؛ كونه يرتبط بالاقتصاد مباشرة، فالسياحة تُعدّ من أهم مصادر الدخل القومي للبلدان، وهي تنافس النفط وغيره من الصناعات التي يمكن أن تنتهي في أي لحظة.
أنتظر اللحظة التي أرى فيها البلدة في هذه البلدة الطيبة، وأدعو فيها أصدقائي من كل بلدان العالم إلى زيارتها لا للاغتسال في مياه البحر الباردة فحسب، ولكن للاطلاع على حضارة الإنسان وثقافته وعاداته وتقاليده وفنه ورقصاته وأهازيجه وفنونه المعمارية، وكل ما له علاقة بإنسانية الإنسان وسعادته.
التعليقات