يُعدّ التعليم في اليمن حالياً في أكثر حالات ضعفه، منذ ظهر التعليم الحديث في أواخر القرن التاسع عشر في عدن، وفي ثلاثينات القرن الماضي في حضرموت والستينات في الشمال. إن حالة الضعف هذه لا تُقاس بكثرة الأمية وانتشار ظاهرة التسرب الدراسي، ولكن تُقاس أيضاً بانهيار شكل المنظومة التعليمية، وعدم المواءمة بين حاجات المجتمع وبين مخرجات التعليم، وفي نشوء التشوهات العميقة في جسد النظام التعليمي، ومن أهم هذه التشوهات هو انتشار ظاهرة الغش في المدارس، والاعتماد عليه للحصول على النجاح، بما يجعل من الشهادة الهدف الرئيسي وليس التعليم ذاته.
لقد بدأت هذه الظاهرة بالانتشار مع بدايات القرن الحادي والعشرين، قرن التعليم والتكونولوجيا المتقدمة - وهذه مفارقة -، حتى وصلت لأن تكون ظاهرة طبيعية، بل وتُعدّ حقاً من حقوق الطالب، لاسيما طلاب الثانوية العامة، ووصل الأمر بهؤلاء الخريجين لأن يطالبوا بحقهم هذا في الجامعات والمعاهد العلمية، ومن ثم سيطالبون به حقاً مشروعاً في حياتهم العملية أيضاً.
في الوقت نفسه، تُعدّ الحالة العامة في اليمن هي الأسوأ في تاريخه الحديث، حيث يعيش الحرب والحصار والقتال من الداخل والخارج، وفي ظل عدد من المشكلات المتوارثة التي منها مشكلات مدمرة تهدد المستقبل، حيث الزيادة في عدد السكان بشكل لا يمكن التعامل معه في المستقبل تحت أي ظرف من الظروف ما لم تتم السيطرة عليه والتحكم به، وكذلك انعدام المياه حيث يتم تجريف المياه الجوفية وهي المصدر الرئيسي حالياً وفي ظل عدم التفكير بحلول مستدامة لهذه المشكلة التي تهدد ملايين البشر بالموت عطشاً، ومشاكل السلاح والقات المصنف مخدراً عند أغلب دول العالم، ومشاكل أخرى لا حصر لها اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية.
وهكذا يجتمع لدينا أمران، الأول خلل بنيوي كبير في جسد النظام التعليمي، والآخر وجود مشكلات أساسية حالية متعلقة بالحرب في اليمن حيث الطلاب واقعون تحت تهديد القصف والتسرب من المدرسة باتجاه جبهات القتال، ومنها مشكلات متوارثة سابقة لحالة الحرب، وهذا يستدعي أن ننظر إلى النظام التعليمي كجزء أساسي من الحل المنتظر، حيث ينبغي عليه أن لا يقدم الحلول للتعامل مع الواقع فحسب، ولكن أيضاً للعمل على تغيير هذا الواقع من أجل المستقبل.
فحص التعليم في اليمن سواء كان التعليم العام أو العالي يبين أنه كان يتعامل بصورة عامة مع الماضي، ذلك الماضي بمختلف توجهاته، وينعكس كل ذلك على الحاضر، كما أنه يتعامل مع الواقع لا لحل مشكلاته، وإنما كمحاولة للتعامل معه أشبه ما يكون بالعمل اليومي، دون وجود أي استراتيجيات لا قريبة ولا بعيدة المدى. أضف إلى ذلك أن شكل التعليم ذاته ومضمونه لا يرقى إلى مستوى واقع اليمن في إطار موقعه من العالم الحديث، فكثير من الجامعات والمعاهد سواء كانت خاصة أو حكومية لا يوجد لديها أهداف إلا إنتاج شهادات تعطي أصحابها الفرصة للحصول على وظيفة، بغض النظر عما إن كان هذا العمل أو الوظيفة سيعمل على التغيير داخل المجتمع أم لا. وإذا كانت أهداف المؤسسات التعليمية قد صيغت لتتضمن ذلك، فإن الوسائل والأدوات والعمليات والمخرجات لا تتضمن أي تطبيق عملي لهذه الأهداف.
إن محاولة إنقاذ العملية التعليمية في اليمن تتضمن أولاً الربط المباشر بين إصلاح التعليم ومحاولة إصلاح البلد ككل، بل ومحاولة إصلاح البلد من خلال التعليم، والعمل على تغيير الواقع عبره أيضاً، ووضع حلول المستقبل في إطار استراتيجيات حقيقية تبدأ من خلال العملية التعليمية بمختلف مستوياتها، وليكون التعليم مركّزاً على حل تلك المشكلات الرئيسية للبلد، وستأتي عبره الحلول الجزئية والفردية.
التعليقات