تمثل الزيادة الكبيرة للسكان، وسرعة وتيرة تضاعفها في سنوات متقاربة جداً، أهم مشكلة تواجه البلدان النامية، لاسيما في منطقة الشرق الأوسط، حيث تترافق مع البطالة وفساد منظومات الحكم وانتشار الأمية وتراجع مستوى التعليم وتدهور الإقتصاد وزيادة الفقر وغيرها من الآفات، فتعمل هذه الزيادة سلباً في اتجاهين: الأول أنها تفاقم المشكلات الموجودة وتساعد على اتساعها، والثاني أنها تعرقل أي عمل من شأنه أن يحرك عجلة التنمية؛ حيث تعمل على إرباك كل الخطط والاستراتيجيات، فكلما حاولت الدولة أن تلبي حاجة السكان جاءت الزيادة لتصنع احتياجاً جديداً غير متوقع ولا مدروس، فيظل المجتمع يشاهد أمام عينيه هذا التدحرج باتجاه الهاوية، خاصة حين يكون بلد مثل اليمن يعيش حالة حروب مستمرة لا تعرقل التنمية فحسب، ولكن تقضي على كل أسسه وبنيته التحتية.
تعاني اليمن منذ سنوات هذه الزيادة في السكان، وهي أشبه بالجراد الذي يقضي على المحصول أولاً بأول. ويتمثل أول مظهر سلبي لهذا التكاثر العشوائي للسكان في تدهور التعليم وبناه التحتية. وعلى الرغم من محاولة الدولة مدعومة بالمنظمات الدولية والمانحة إصلاح منظومات التعليم، وتوسيع رقعة البنية التحتية للمدارس والتجهيزات المدرسية، إلا أن التكاثر الفظيع للسكان كان فوق طاقة استيعاب تلك الإستعدادات، فأصبحت المدارس الحكومية تزدحم بالطلاب، وأصبحت الفصول الدراسية تتكدس بمئات التلاميذ، وفي أجواء وظروف غير تعليمية، وبدلاً من أن تعطيهم فرصة للتعليم أصبحت تساعدهم على التجهيل، ففقدت المدرسة وظيفتها نظراً لغياب الظروف الصالحة للعملية التعليمية، فلا تجهيزات ولا برامج ولا خطط ولا مناهج ولا أستاذ مؤهل بما فيه الكفاية للتعامل مع الطلاب. وقد ظهرت المدارس الخاصة والتعليم الأهلي الذي انتشر هو الآخر دون ضوابط ولا معايير ولا أسس علمية، ولكن بأهداف استثمارية بحتة تستغل هذه الفجوة التي أحدثتها تلك الزيادة، وضغطها على التعليم الحكومي.
من جانب آخر، تعمل الزيادة السكانية على إعاقة الحركة الإقتصادية، وتضعيف قدرة الإقتصاد المحلي على استيعاب حاجات السكان. فإلى جانب تدهو الإقتصاد الناتج من المشكلات السياسية والمؤثرات الخارجية، أصبحت الزيادة السكانية عبئاً إضافياً على هذا الوضع، كما تعمل على استنزاف الموارد لا سيما المياه التي هي قليلة في اليمن أصلاً، ومع السنوات ستصبح اليمن بدون مياه جوفية تقريباً.
يتكاثر السكان في اليمن بزيادة مهولة تسبق حالة المؤشرات؛ فالأسرة الواحدة تنتج من خمسة إلى ثمانية أطفال تقريباً وفي سنوات متقاربة جداً، وبعد سنوات معدودة فقط يصبح هؤلاء الأطفال جاهزين للتكاثر، وهكذا تصبح الأسرة الواحدة لديها خمس أسر على الأقل خلال أقل من عشرين عاماً، بما يعني تقريباً أن الشعب اليمني سيتضاعف خمس مرات خلال عشرين سنة فقط. فبالإضافة إلى الزيادة الهائلة في السكان، هناك مشكلة الزواج المبكر، وما يصاحبها من مخاطر متعددة على الأسرة ومن ثم المجتمع.
وهكذا، يتبين أن تضاعف السكان ليست مشكلة فحسب، بل ربما يُعدّ أم المشاكل في اليمن. ولا يمكن إيجاد حل للمستقبل مطلقاً ما لم يتم التفكير جيداً، وإقامة مؤتمرات وإعداد دراسات واستراتيجيات وطنية للتعامل مع هذه المعضلة الخطيرة التي تهدد الحاضر، وتمنع أي تطور في المستقبل.
التعليقات