يُطلق في علم الإجتماع مصطلح الوعي الجمعي على وعي الأفراد بالعلاقات التي تربط بينهم داخل المجتمع. ويُستعمل هذا المصطلح في علم نفس المجتمع على وجه الخصوص، ولكنني هنا أستعمل الوعي الجمعي للدلالة على الوعي أو الإدراك العام داخل المجتمع، أي ذلك الفهم الذي لا يستهدف شخصاً أو حزباً أو جماعة معينة، بل الفهم الذي يكون مطلوباً من عامة الشعب، بمثقفيه وعماله وطلابه ونسائه ورجاله وشبابه وشيوخه.
يتعرض المجتمع حالياً لأخطر وسائل التأثير عليه من نواح مختلفة، وبوسائل متعددة ومتنوعة وقادرة على تشكيل رؤاه والتحكم في ردود أفعاله بأيسر الطرق. وإذا كان من السهل جداً إنشاء جمعيات لحماية المستهلك في المأكل والمشرب وبقية الأشياء الملموسة، فإننا هنا نتساءل عن وجود جمعيات أو هيئات أو منظمات تحمي وعي المجتمع وفكره.
كانت الأنظمة السابقة، لاسيما الدكتاتورية منها، تعمل على تشكيل وعي الناس بالطريقة التي يريدها هذا النظام أو ذاك، وإقامة حظر على الإتصال بين المجتمع وخارجه منعاً لحدوث أي تأثير أو تلاعب بالوعي قد ينعكس سلباً على هذا الشعب الذي قد يتمرد على نظامه. ما يزال هذا السلوك قائماً في كثير من الأنظمة في العالم، وربما يكون نظام كوريا الشمالية هو أكثر قربا للاستشهاد على هذا الأمر، والصين بدرجة أخف، وكما كان نظام صدام حسين، والنظام الإيراني حالياً. وهنا نكون أمام حالة تشكيل الوعي بطريقة تريدها الأنظمة، وبمقابلها حالة انفلات تقوم بتشكيل الوعي فيها جهات أو جماعات مجهولة، إن لم يُترك المجتمع عرضة للتلاعب والتعرض للتلوث المعرفي، تماماً كما يتعرض لأي وباء أو عدوى.
صحيح أن الحرية شرط أساسي لأي تقدم أو إبداع، لكن ليس معنى هذا أن يترك المجتمع نهباً للمعلومات المضللة وللتزوير والخلط والمغالطة وللدجل الرقمي. لقد أصبح المجتمع حالياً مشاعاً للقنوات التلفزيونية التي تأخذه كل واحدة في اتجاه، وللإعلام المفتوح. ومن هنا يصبح مجتمع يشكو أغلب أفراده من الأمية عرضة لتزوير وعيه وليس توجيهه وجهة محددة، بل تعريضه لخلطة غير متجانسة تعمل على مضاعفة مشكلاته وزعزعة مستقبله بدلاً من أن يحدد له طريقاً سالكاً للخروج من أزماته.
نتساءل هنا عن جدوى أو إمكانية أن يكون هناك جهة ما تعمل على حماية وعي المجتمع، تماماً كما هي جهات حماية المستهلك، فربما تكون حماية الوعي أكثر أهمية من حماية المستهلك في غذائه أو دوائه. وهذه المهمة في الحقيقة لا ينبغي أن تقوم بها جهة أو جمعية أو منظمة، بل هو عمل مؤسسي أو منظومة متكاملة تبدأ من النظام التعليمي في البلد، لتصل إلى مختلف الأنظمة الأخرى داخل المجتمع، ومن ثم يصل الأمر إلى العمل المهني داخل المؤسسات الإعلامية. فمتى ما استطعت أن تحصن المجتمع بثقافة ومستوى عالٍ من الفهم والإدراك والموازنة والتحليل، وتقديم القيِّم وتأخير الرديء، هنا يكون المجتمع بمأمن من أي عدوى قد تصيب وعيه أو تشتته أو تؤثر فيه.
التعليقات