أثارت صورة الطفلة، بثينة الريمي، التي قُتل جميع أفراد أسرتها في قصف نفذته طائرات السعودية على منزلهم في مدينة صنعاء، ردود فعل مختلفة. إذ تبدو الطفلة في الصورة محاوِلةً فتح عينها اليمنى، بينما العين اليسرى مقفلة تماماً وعليها آثار الجراح، وهو مشهد يهز النفس الإنسانية ويصل إلى أبعد مما تقدمه الصورة من مشهد مأساوي لأسرة بكاملها نام أفرادها جميعاً، وأصبحت هذه الطفلة منها يتيمة وحيدة إلا من بصيص ضوء يتسرب إلى عينها.
الصورة لا تقدم بثينة على أنها ضحية فردية، بل إنها تقدمها نموذجاً لحالة عامة من الإنتهاك تمس الإنسانية بصورة عامة والطفولة بصورة خاصة. تقدم بثينة الريمي التي تحاول بإصبعيها الصغيرين أن تقاوم الظلام وقبح الحرب متشبثة بالحياة بكل ما تحمله داخلها من قوة، رافضة واقع الظلام الذي أصبحت تعيشه على مختلف المستويات من حولها.
ما إن انتشرت صورة بثينة حتى ظهرت بمقابلها صورة لأحد أطفال تعز وهو بعين وحيدة والأخرى عليها آثار التورم من الجروح التي قد يكون تعرض لها نتيجة للقصف الذي تنفذه قوات الحوثيين وحليفهم علي صالح على مدينة تعز، وخاصة على المناطق التي تقع خارج سيطرتهم.
كثير من الذين تداولوا الصورتين وروجوا لهما وعملوا على توظيفهما سياسياً لا ينطلقون من منظور إنساني كما يدعون، وإنما يتخذون من هذه الحالة أو تلك وسيلة وأداة في بروبوغاندا الحرب. هكذا يتم توظيف عين بثينة أو طفل تعز لتكون أداة من أدوات المجهود الحربي؛ ذلك أن الإنسانية لدى هذه الفئة من الكتاب أو المثقفين إنما هي إنسانية عوراء ترى بعين الرضا ضحية وعين السخط ضحية أخرى، وتفرز الضحايا بناء على طبيعة الجلاد.
كثير من الكتاب تحركت في ضمائرهم معاني الإنسانية، فقط حين نظروا إلى عيون بثينة، ولم تتحرك ضمائرهم لآلاف العيون التي تم إسكاتها إلى الأبد في تعز وعدن وشبوة والبيضاء ولحج والضالع. وفي المقابل، فإن بروبوغاندا الشرعية المزعومة التي تدافع عن أي جريمة يرتكبها طيران «التحالف» راحت تبحث عن عيون مشابهة لعيون ضحية اعتداءات الطرف المقابل، لا لتنتصر للضحية، وإنما لتقول ونحن أيضاً لدينا عيون أطفأتموها كما نحن نطفئ عيون الأطفال.
يقودنا هذا السلوك العجيب والمنتهك لكل حقوق الإنسان والطفولة والتفكير الآدمي إلى تلك النكتة التي تقول إن أحد المدرسين السودانين قد تم قتله في إحدى القرى في اليمن من قبل أبناء قرية أخرى، فما كان من أهل القرية الأولى إلا أن ذهبوا وقتلوا المدرس السوداني للقرية الثانية، وهكذا انتقموا لمقتل مدرس قريتهم السوداني بقتل المدرس السوداني للقرية الأخرى.
إن الإنسانية هنا كسيحة وعوراء تماماً. فالضحية لا تكون ضحية في نظر البعض إلا حين يكون جلادها مخالفاً لفكرته، أما حين يكون القاتل متسقاً مع ما يريد فإن المبررات حاضرة للرد، وأهون ذلك هو الصمت تماماً. هكذا يرى بعين واحدة ويترك الأخرى مطفأة، كما تنطفئ إنسانيته التي يؤجرها لمصلحة أطراف الصراع حتى إشعار آخر.
التعليقات