يقدم البعض علي صالح - الذي قتله حلفاؤه الحوثيون - على أنه شهيد، لا لشيء إلا لأنه انتبه أخيراً إلى أنهم جماعة مسلحة تسيطر على السلطة بالقوة، وأنهم يشكلون خطراً على الجمهورية والوحدة، فأعلن عليهم الحرب، وحرض أتباعه على مواجهتهم. ولكن ليست المرة الأولى التي يعلن فيها علي صالح الحرب، وليست المرة الأولى التي يدعو فيها للقتال من أجل حماية الوحدة والجمهورية. فقد أعلن على الحوثيين أنفسهم ستة حروب، ودعا في 94 إلى الحرب ضد الجنوبيين من أجل حماية الوحدة، وقبلها حروب المناطق الوسطى. كل الحروب خاضها ضد خصومه في الداخل بداعي الحفاظ على الوحدة والجمهورية والسلم الأهلي، قبل أن يعلن حربه الأخيره ليلقى مصرعه في اليوم الثالث من المواجهة.
دخل مع الاشتراكيين في وحدة عام 90، وتقاسما السلطة والنفوذ، ولكنه بعد 3 سنوات من هذه الشراكة، أراد أن ينفرد بالسلطة فتحالف مع «الإصلاحيين»، وأعلن الحرب على الجنوب لمواجهة ما سماه بـ«الانفصال» وحماية الوحدة. وبعد عشرين عاماً، تحالف مع الحوثيين وتخلص من «الإصلاحيين»، واستمرت هذه الشراكة ثلاث سنوات أيضاً، ليعلن بعدها الحرب على الحوثيين من أجل حماية الوحدة والجمهورية، وهكذا تتشكل الصورة المثالية للبطل الذي يخلص الشعب من كل هذا الشر، ولكن يبدو أن مهندس حلول المشكلات بالمشكلات خانه ذكاؤه هذه المرة، فكان أول ضحية في هذه المعركة.
وفي الحقيقة، لم يكن منهجه معقداً في إدارة اللعبة السياسية، فهو بسيط جداً، لقد لعب على المتناقضات داخل المجتمع، وعرف جيداً كيف يوظفها لصالحه، فواجه خصومه بخصومه الآخرين، وهو الأمر نفسه الذي فطنه الحوثيون، فواجهوا خصومهم «الإصلاحيين» بخصومهم «المؤتمريين»، لينفردوا بزعيمهم أخيراً. الفرق أن علي صالح استمر بلعبته ثلاثين عاماً، فيما الحوثيون اكتفوا بثلاث سنوات للوصول إلى السلطة عبر سياسة المتناقضات نفسها.
كيف يمكن أن نبني فكرة البطل المخلص من أطلال كل هذا الخراب الذي يبدو ماثلاً للعيان كبقايا دمارعمره أكثر من 35 عاماً؟ وهل يصح أن نقول إن الرجل تاب في لحظته الأخيرة واتخذ قراره الصائب بمقاتلة من يقول إنهم أعداء الثورة والجمهورية؟ كيف يمكن تفهّم أن يصحو ضمير الرجل فجأة بعد ثلاث سنوات من إقناع هذا الشعب المكلوم بأنه يشارك هذه الجماعة من أجل الحفاظ على الوطن ومكتسباته؟ فكيف يحدث هذا التحول المفاجئ لتوصيف شريك حماية الوطن بأنه عدو للجمهورية؟ وإذا افترضنا جدلاً أن قراره كان نابعاً بالفعل من إيمانه العميق بالجمهورية، وبأنه اتخذ قراره الصائب بتخليص اليمن من حكم جماعة مسلحة لا تؤمن بالتعايش ولا بالديمقراطية، ألم يكن من الأولى أن يعتذر لهذا الشعب الذي ضلله لثلاث سنوات؟
قد نغفر لأتباعه المؤمنين به حد القداسة بوصفه - من منظورهم - إنساناً فوق الخطأ، ولكن الجريمة عند أولئك الذين قضوا شطر حياتهم - بعد ثورة الربيع - يصورونه في هيئة الشيطان الأكبر، ثم يتحول في خطابهم إلى بطل وشهيد ورمز، وهو ما يحمل أحد أمرين: إما عاطفتهم التي لا تختلف أبداً عن عاطفة أتباع صالح الذين يرون فيه إنساناً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أو أنهم انتهازيون يحاولون توظيف اللحظة من أجل كسب الموقف السياسي على حساب العقل والمنطق والحقيقة وحماية المستقبل.
ليس المطلوب شيطنة صالح ولا تقديسه أيضاً، والكن المطلوب تقييم الحالة بموضوعية، من أجل حماية الوعي من تدهور قادم، طالما بقيت الفلسفة ذاتها، ومنهج التعامل مع الشعب هو نفسه.
التعليقات