التسامح قيمة إنسانية، مرتبطة بالمثل العليا، التي تجعل من الإنسان إنساناً، كما أنها على ارتباط وثيق بحياة الناس على المستوى الفردي والجماعي، بوصفها قيمة تعمل على التحفيز باتجاه التعاون، والبناء، والتفكير في المستقبل والحياة المشتركة، بعيداً عن الأنانية والأحقاد والصراع الذي يعمل على عرقلة الإنتاج وتصفير الحياة باتجاه البدائية.
إن التسامح، هو مغفرة الإنسان عن خطأ إنسان آخر، لذا، فهو كالتوبة تماماً، ينبغي أن يكون لها شروط حتى تتحقق المغفرة، أولها الشعور بالذنب تجاه الخطيئة، ومن ثم الإقلاع عنها نهائياً، وحينها تكون المغفرة هي المرحلة الأخيرة، فالمسامحة من أخطاء، ينبغي أن يسبقه اعتراف المجرم بجريمته، ثم الاعتذار عنها، والشعور بالذنب والإقرار باستحقاقه العقوبة، ثم يكون التسامح هنا، بوصفه التنازل عن تنفيذ العقوبة من قبل صاحب الحق، بحيث يكون بيده التنفيذ أو العفو. فيكون التسامح قائماً على مبدأ العدالة، وجزءاً أساسياً من بناء المجتمع، أما التسامح الذي تقوم به فئة أو جماعة تجاه جماعات أخرى أو أفراد ارتكبوا جرائم في حق أشخاص أو جماعات، من دون اعتراف تلك الأطراف أو اعتذار أو إعطاء صاحب الحق تقرير العفو أو تنفيذ الحكم، فهذا ليس تسامحاً، ولا يؤسس لعدالة، ولا يبني مستقبلاً، وإنما فقط، يؤجل لحظة الانتقام سنين أو عقود، حتى تحين لحظة الأخذ بالثأر.
في اليمن، عبر الستين سنة الماضية، سواء في مرحلة ما بعد وحدة العام 1990 أو قبلها، ينتقل المجرمون من مرحلة إلى أخرى عبر (فتح صفحة جديدة) وإلغاء الماضي، فيحكمون كل فترة بشعارات جديدة وبيانات مختلفة، يغيرون من هيئاتهم ومن شعارتهم ومن تكتيكاتهم، وتظل بنيتهم العميقة من دون أي تغيير، ينادون بالعفو والحوار بعد كل حرب يخوضونها، ثم يدخلون في شراكات وهمية تنتهي بهم مجدداً في أتون حرب جديدة، يهدمون فيها مابنوه في حالة السلم الهش. يقولون بالتسامح، ولكنه تسامح لا يملكون هم أسسه ولا الحق في منحه، ولا يرتكزون فيه على مبادئ العدالة، ولهذا، هو ليس تسامحاً، وإنما تصالحاً بين جماعات سياسية لأغراض تكتيكية، تعيدهم للسلطة، فيحضرون أنفسهم لمواجاهات قادمة، في حين يظل المواطن وصاحب الحق الذي قد يكون تضرر منهم بعيداً عن هذه التصالحات، وهذا التسامح وهذه الحوارات، فهو إذاً تسامح المتصارعين لا تسامح الضحايا والجناة.
تحالف «المؤتمريون» مع «الحوثيون» ثلاث سنوات. أدخلوا اليمن في حرب داخلية وخارجية أكلت الأخضر واليابس، وجعلت أكثر من ثلثي الشعب تحت تهديد المجاعة، وأعادوا الحياة إلى مرحلة البدائية المبكرة، وفي لحظة، ينادون الآن باستيعاب «المؤتمريين»، بل باستيعاب المجرمين أنفسهم، الذين قتلوا الناس في صنعاء وتعز والضالع، وتصويرهم في هيئة المناضلين الشرفاء، وكأن النضال والشرف بأيديهم ليمنحوه من يشاؤون، وهذا الأمر نفسه أيضاً، عملوه مع القيادات التي انضمت للثورة بعد العام 2011، وعلى رأسهم علي محسن الأحمر وأولاد الشيخ الأحمر، وهم من أكبر من نهب وتلاعب ودمر البلد خلال فترة حكم الرئيس صالح، لقد منحوهم العفو ليس ذلك فحسب، بل إنهم الآن يقودون راية الشرعية بوصفهم حماة الجمهورية، وينتظر أن يقودونها إلى المستقبل.
كذلك نرى في الجنوب كل من فقد مصالحه مع النظام في الشمال، يتحول مباشرة إلى الجنوب، ويقدم نفسه مناضلاً من مناضلي الحراك الجنوبي والثورة التحررية من أجل الاستقلال، فلا يحاسب ولا يتم مطالبته بالاعتذار، ولا برد الاعتبار لكل الضحايا الذين شارك النظام السابق في قتلهم، فقط يكفي أن يرفع الشعارات الثورية ليمنح حق الانتماء إلى الجنوب الجديد.
لا يمكن العبور إلى المستقبل بشكل آمن بأدوات الماضي نفسها، مالم تعتذر ثم تتطهر من ماضيها شكلاً ومضموناً، وأن تمنح العفو من قبل الضحايا أنفسهم لا من منافسيهم على السلطة الذين شاركوهم الفساد والإفساد طوال السنوات السابقة.
التسامح هو أن يمنح صاحب الحق حقه في العفو أو العقوبة، هذا هو تسامح العدالة، أما التسامح الذي يعطيه طرف في الصراع السياسي إلى طرف آخر كان شريكه في الحكم في لحظة ما، فهو إعادة تموضع لأدوات الفساد لترتيب صفوفها من جديد، وربما الإعداد لحرب جديدة أيضاً.
التعليقات