في العام 2012 أدّى الضغط الشعبي والدولي إلى قبول علي عبدالله صالح، بالخضوع للمبادرة الخليجية وتسليم السلطة لنائبه الذي تم التوافق السياسي عليه، ليقود مرحلة انتقالية تؤدي إلى سلطة سياسية مبنية على الأسس الديمقراطية.
وعلى الرغم من أن تلك المبادرة وما تبعها كانت في الأساس تسعى لإعادة رسم الخارطة السياسية على وفق الأسس القديمة، ولكن بعد الاستغناء عن الشخصية الرئيسية والإتيان ببدائل من داخل النظام نفسه، فقد كانت المخرج الوحيد من أجل تجاوز الاحتراب الأهلي. بعد التوقيع مباشرة وعلى الرغم من استلام صالح ومن بقي إلى جاوره نصف حكومة التوافق الوطني، خرج إلينا بتصريح عجيب يقول فيه إنه سيسعى إلى قيادة المعارضة وسوف يعلّم منافسيه المعنى الحقيقي للمعارضة.
تماماً ككل شيء خلال 33 سنة، يتم تشويه المصطلحات وتصبح المفاهيم حاملة لمعاني لا علاقة لها بجذرها ولا تطورها الدلالي، وبالفعل استطاع علي صالح أن يقود المعارضة ويعلّم الشعب المعنى الحقيقي لها، فقد قادها باقتدار حتى أوصل المليشيات المسلّحة إلى القصر الجمهوري، وفي الوقت نفسه كان مشاركاً بنصف وزراء الحكومة وأغلب مؤسسات الدولة بفعل شبكة المصالح التي تم تعيينها على مدة عقود من ارتباطهم الشخصي به.
لقد علّم المعارضة المعنى الحقيقي للمعارضة، كما علّمنا من قبل معاني الديمقراطية، حيث كانت هناك انتخابات ومجلس نواب وشورى ومجالس محلية، وهي كلها مؤسسات ديمقراطية ولكنها مفرغة من مضمونها، فهي مجرّد مؤسسات شكلية، تعمل على شرعنة النظام السياسي أمام دول العالم، في حين ظل الشعب إما منقاداً لتزوير إرادته عبر تزوير الانتخابات أو تجييرها لصالح مرشحي الحزب الحاكم، أو عبر تغييب الوعي الحر إضافة إلى انتشار الأمية التي تجعل المواطن لا يدرك بالفعل مصلحته الحقيقية ولا كيفية إسهامه في التغيير الديمقراطية والمجتمعي إلى الأفضل.
قبل أيام يصرح الباحث والمحلل الاستراتيجي نجيب غلاب بالقول إن «حركة 2 ديسمبر هي الحركة الأعمق والأنضج في إدارة الحرب مع المليشيات». مع تجاوز هذا التعبير الذي يتناقض مع كل قيم العقل والمنطق، فإنه لا يمكن تمرير أن هذا الشخص يدير مركز «الجزيرة العربية للدراسات والبحوث»، فبحسبة بسيطة وبعيداً عن عمق التحليلات يمكن لأي عاقل أن يقول إن ما قام به علي صالح من محاولة تعتبر أسوأ حركة سياسية له في مسيرته السياسية كلها، فهي المقامرة التي دفع لأجلها حياته وحياة الملايين من أبناء البلد، حتى على المستوى العسكري فهي أقصر معركة فاشلة وحاسمة يخوضها ويخسر نتيجتها، ليس ذلك فحسب بل على مستوى النتائج المترتبة عليها، حيث يتبين أن «المؤتمر» كحزب ومؤسسة بدأ يتحول تدريجياً إلى إرث بيد حكام صنعاء الجدد.
الجريمة التي يتم ارتكابها الآن وبتواطوء من مدعي التحليل والتفكير والتنظير الاستراتيجي والعسكري، هي تزوير الحقائق وتحوير مسارها وممارسة التضليل العلني ضد الوعي الجمعي لأهداف غير معروفة ولكنها بكل تأكيد تخلو من أي قمة أخلاقية أو علمية أو معرفية.
بدلاً من أن تحاول القوى الحية، والمثقفون والمفكرون والكتاب، تجاوز المرحلة الحرجة، وتدارس المأزق الذي وصل إليه اليمنيون، وكيفية الاستفادة من أخطاء الماضي، يتم التوجه عمداً إلى تغييب الرؤية السليمة، واستمرار التجهيل القسري، وتضليل العامة من أجل مواصلة هيمنة جهات نفوذ معينة على حساب المصلحة العامة للناس. وكل المصائب التي سوف تحصل في المستقبل يتحمل مثل هذا الخطاب المعادي للعقل والمنطق والإنسانية، الوزر الأكبر في إنتاج دكتاتوريات وأنظمة استبدادية لا تقل سوء عمّا سبقها.
التعليقات