الثورة عمل تغييري يشمل كل مناحي الحياة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، ويحول الواقع المثار ضده إلى واقع مختلف تماماً؛ لذا تسمى الثورة الصناعية والثورة الزراعية والثورة التقنية، حيث مثلت هذه الثورات حالة قطيعة تامة مع الماضي، وبنت حالة جديدة أثرت في حياة الناس وفي طريقة تفكيرهم وفي تعاملهم مع ما حولهم. أما حين تكون الثورة فقط حاملة لتغييرات شكلية لا تمس جوهر الواقع الذي ثارت ضده، فهي حركات داخل النظام ذاته، حين يغير شكله من حين إلى آخر، إما ليعيد ترتيب أوراقه على أسس جديدة، أو أنه يتخفف من الأعباء التي أثقلته ويحاول أن يواصل تحكمه في الواقع من جديد. الثورة هي أن تعمل على تغيير واقع الناس وحياتهم ونمط عيشهم إلى واقع جديد يناسب احتياجاتهم ويلبي تطلعاتهم من الحرية والعدالة والتنمية ومنافسة العالم في حياته المعاصرة، وتضطر الشعوب إلى القيام بذلك حين ترى نفسها أنها ينبغي أن يكون حالها كبقية البشر على هذه الأرض، ولكنها تجد ذاتها واقعة تحت حكم نظام لا يحترم حقها في العيش بحرية ولا كرامة ولاعدالة ولا سيادة للقانون، من هنا ندرك ما هي معطيات الثورة.
حين نسأل لماذا يثور الناس؟ هل تثور الشعوب اعتباطاً؟ قد يطالب الناس بحقوقهم وفي إصلاح بعض الخلل، لكن أن يثور الناس طلباً للتغيير الجذري فهذا يعني أن هناك مكامن خلل مركزية لا يمكن إصلاحها إلا بالتغيير التام، ليس للنظام فحسب، بل للقيم التي شكلته وجعلته ينمو ويكبر ويتغول في سبيلها. فما هي معطيات الثورة، وما هي معطيات الثورة في اليمن؟
ربما يمكن القول إن معطيات الثورة في اليمن هي: الفساد، ونعني هنا بالفساد ليس الاقتصادي والمالي والإداري فحسب، بل الفساد في منظومة القيم الحاكمة، التي تجعل من الفاسد والقاتل واللص بطلاً، ومن المدني الملتزم بالقانون ضعيفاً وجباناً. الفساد هو الكلمة المفتاحية لمعطيات الثورة، فهو لا يطرق باب سرقة المال العام والتلاعب بالقانون فحسب، بل يصل إلى كل ما هو مرتبط بحياة الناس: فساد في السياسة، وفي الثقافة، وفي التربية، وفي الأخلاق، وفي المعرفة.
ثار الناس على الإمامة، بوصفها نظاماً أسرياً متخلفا وضع اليمن في قمقم العصر الحديث وعزلها عن العالم لتكون مزرعته الخاصة التي يمارس عليها لذة الحكم وفق قوانينه هو، ولكن جاء نظام الثورة ليتخلص من إمام واحد ليضع مكانه ألف إمام، ومن فساد إلى فسادات مختلفة، لذا لم تشهد اليمن أي استقرار بعده وظلت محافظة على حقها في الثورة والتغيير، لأن المعطيات هي نفسها لم تتغير، بل زادت وصارت أكثر حدة، فلم تنفع الحركات التصحيحية التي عاشتها الأنظمة اليمنية عبر العقود من ستينيات القرن الماضي وحتى الوحدة في أول التسعينات وما بعدها.
ثار الحوثيون على النظام الحالي، وهاهم الآن يمارسون الفساد بأبشع تجلياته، بل وحولوا اليمن إلى سجن خاص كبير، وعلى الضفة الأخرى القوات التي تريد أن تسترجع اليمن، تمارس من خلال شكل الدولة والمناطق التي تسيطر عليها قيم الفساد ذاتها: محسوبية، ونهب مال عام، وتآمر، وخيانات، ورشوة، وكذب وتضليل... إلخ. وهنا نقول سواء بقي «الحوثي» أو جاءت «الشرعية»، فإن معطيات الثورة ما زالت موجودة، ولا يمكن لليمن أن يعرف التغيير والهدوء والسكينة والاستقرار، ما لم يعمل على تغيير شامل لمنظومة الحكم ومنظومة القيم التي تحتويه، وهنا يمكن التنبؤ بمصير مختلف يرتبط بقيم المجتمع ككل، لا تستثني أحداً ولا تميز أحداً، لا للغته ولا لعرقه ولا لدينه ولا لجنسه، هنا فقط يمكن القول إن اليمن سيمر إلى مستقبل مستقر.
التعليقات