في أقل من عام من الغزو الحوثي، المدعوم عسكرياً من حليفهم الرئيسي الرئيس السابق علي عبدالله صالح، استطاعت «المقاومة الجنوبية»، بدعم وإسناد عسكري واستراتيجي من «التحالف العربي» بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات، أن تحرر أغلب مناطق الجنوب، لا سيما العاصمة عدن وما جاورها، وشملت عملية التحرير، بشكل كامل، كل من عدن ولحج والضالع وأبين، وكان هذا الانتصار الكبير لقوات «المقاومة الجنوبية» بفعل عدد من العوامل، أهمها: تماسك الجبهة الداخلية في الجنوب، فهذا الاعتداء الغاشم حول حتى أنصار علي صالح هناك إلى مقاتلين في صف «المقاومة»، فلم ينضم لهذه الجبهة أنصار الحراك الجنوبي فقط، بل كل أبناء الجنوب من مختلف الأطياف، السبب الثاني عدم وجود أي غطاء شعبي في الجنوب لا للحوثيينـ ولا حتى لعلي صالح، وتوجهاته باستباحة الجنوب الثانية، بعد أن كانت استباحته الأولى في العام 1994، وهذا جعل القوات الغازية مكشوفة وناتئة عن جسم المجتمع، فلم تكن أصلاً حرباً أهلية كما هو حاصل الآن في الشمال، بل حرب مجتمع على مجتمع آخر، أو ثقافة ضد ثقافة أخرى. السبب الثالث هو الدعم المنظم والمنسق لـ«التحالف العربي» بشكل متفق عليه من مختلف الفاعلين في قيادة الحلف، قبل أن تظهر التباينات بعد ذلك ويتم تقاسم الجبهات. السبب الرابع هو الرغبة الجامحة لدى أغلب المقاتلين، ليس في دحر القوات الغازية فقط، بل وتحقيق الحلم باستعادة الدولة الجنوبية وبهيئتها قبل العام 1990.
بيد أن المشكلة حصلت بعد ذلك، وبعد تحقيق التحرير شبه الكامل لكل مناطق وأراضي الجنوب، لقد دعم «التحالف العربي» هذه القوات تحت أجندته لتحرير اليمن بصورة شاملة، والدعم المقدم في الأصل تحت لافتة «الشرعية» اليمنية ورئيسها عبد ربه منصور هادي (السبب المباشر في استدعاء هذه القوات إلى داخل اليمن ومن ثم إزاحة أي اعتراض دولي قانوني ضد هذا التدخل). فكيف تستطيع «المقاومة الجنوبية» أن توازن بين رغبتها في تحقيق الاستقلال والتحرر، وبين التزاماتها بأهداف «التحالف العربي» بدعم يمن موحد وبتوجيهات رئيس لا زال ينادي بتنفيذ مخرجات الحوار اليمني التي تنص على يمن اتحادي مكون من ستة أقاليم ترفضها «المقاومة الجنوبية» شكلاً ومضموناً؟
إنها خيارات صعبة جداً، وقد حاولت في البداية أن تتطبع مع هذا الوضع الهجين، وذلك من خلال القبول بشغل مناصب قيادية في الجنوب لقيادات «المقاومة» تحت رئاسة هادي، ولكن مع تجسيد روح الدولة الجنوبية المستقلة في الشعارات والممارسة، انفرط هذا العقد بعد الإطاحة بالزبيدي وإعلانه المجلس الانتقالي الجنوبي مع عدد من القيادات في الجنوب ثم الجمعية الجنوبية مؤخراً.
تعادي «المقاومة الجنوبية» الآن الحكومة اليمنية «الشرعية»، لكنها لا تتحدث عن رئيس «الشرعية» هادي، وهو تناقض يعكس طبيعة الموقف الحرج الذي تعيشه، فهي بين خيارين أحلاهما مر، إما أن ترفض الحكومة وهادي وتعلن الاستقلال وهنا ستنصدم مع «التحالف العربي» وقد تتحول إلى مواجهات مسلحة لا يعلم مدى نجاحها من عدمه، أو أن تقبل بالرئيس هادي وحكومته وتستسلم لإرادة الحكومة اليمنية التي تسعى لتنفيذ الدولة الاتحادية ولو بالقوة. ونتيجة لهذه الخيارات الصعبة تحاول أن تقبل بهادي أداة لتحقيق طموحاتها كما يقبل به الآخرون لتحقيق أهدافهم.
«المقاومة» حقيقة لا ترفض الحكومة اليمنية لأنها فاسدة، ولكن لأنها يمنية، فهي ترفض كل شيء يتعلق باليمن أو يربطها به، وهذا طبيعي لأنه يجسد برنامجها وأهدافها، ومن ثم فهي ترفض الحكومة وترفض جعل عدن عاصمة مؤقتة، كما ترفض انعقاد البرلمان في عدن، ولكنها تبقي على هادي مع أنه هو رئيس «الشرعية» وهو الشخص المعني بتعيين رئيس الحكومة وأعضائها، وهو من يحاول عقد ما تبقى من أعضاء البرلمان المنتهي ولايته منذ عشر سنوات في عدن. وها هو الآن الصراع واضح بين قوات «المقاومة الجنوبية» الساعية إلى فرض سيطرتها وتنفيذ أجندتها، وبين القوات التابعة للحكومة برئاسة هادي. ولكن مع الاعتراف بهادي رئيساً شرعياً، إنها مع هادي رئيساً شرعياً، ولكن بلا فعل ولا رأي يخالف رأيها أو إرادتها السياسية.
التعليقات