نعني بـ«ثورة فبراير» تلك الحركة التي خرج فيها مجموعة من الشباب على نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح، في فبراير من العام 2011م، بتأثير مباشر من ثورة يناير في مصر وتونس.
ويبدو على سطح الأحداث الآن في اليمن ثلاث وجهات نظر من هذه الثورة، الأولى وجهة نظر الإسلاميين ومجموعات سياسية أخرى عملت على الالتحاق بركب تلك الثورة ومن ثم توظيفها باتجاه محاصصات سياسية في السنتين اللاحقتين من ذلك التاريخ، وهي وجهة نظر تجعل من هذه الثورة أيقونة خالدة وترفعها منزلة تصل إلى مكانة التقديس.
وجهة النظر الثانية يمثلها حزب صالح والجماعات المرتبطة به، وهي وجهة نظر تحمّل هذه الثورة كل مسؤوليات الخراب والحروب والتدمير الذي لحق البلد بعدها.
أما وجهة النظر الثالثة، ويمثلها مجموعة من الانتهازيين وأصحاب المصالح والمتسلقين ومتتبعي رائحة الفائدة، حيث كانوا يقدّسون هذه الثورة حين أوصلت بعض داعميها إلى السلطة في 2012، ثم بعد أن صعد رموز الثورة المضادة إلى عرش السلطة عادوا ليشتمونها حيناً ويعتذرون لأنهم شاركوا فيها حيناً آخر.
وبين وجهات النظر الثلاث ثمة منظورات أخرى تنطلق أحياناً من مصالح لا علاقة لها بالثورة ولا بالثورة المضادة، وتقيّم ما يجري من زاوية أخرى، كما هو الحال مع وجهة نظر حركات «الحراك الجنوبي» أو الشخصيات المرتبطة به من مناصري «فك» ارتباط الجمهورية اليمنية.
أحاول هنا أن أقارب حالة «ثورة فبراير» من منظور يريد الابتعاد قدر الإمكان عن التلقينات الجاهزة لكل المنظورات السابقة، فـ«ثورة فبراير» صحيح أنها جاءت متأثرة بما جرى في تونس ومصر، ولكن أسباب الثورة كانت جاهزة، وقودها وفتيلها جاهز وينقصها الإشعال فقط، كما أنها لم تستمر على نقائها، فتم الزج بها في إطار صراع الشخصيات السياسية التقليدية ذاتها المثار عليها وماتت في أشهرها الأولى. لذا فهي ثورة ناقصة، أو قل ثورة ماتت قبل أن تبلغ سن تحقيق أهدافها، نتيجة لاحتواء الطبقة السياسية المتكلسة، أولا، والقضاء عليها بالثورة المضادة ثانيا.
إذا كان علينا أن نحتفل بـ«ثورة فبراير» فعلينا أن نحتفل بها فكرة للخروج على الظلم والتهميش والإقصاء والفساد، وهو الأمر الذي استمر حتى انضمام رموز النظام القديم إليها وإثقالها بدعوى حمايتها بهم، والزج بها بعد سنين قليلة في معترك الصراع السياسي بين رموز وقوى النظام السابق نفسه.
أما أولئك الذين يرون أنها السبب في كل ما وصلنا إليه، فمن وجهة نظري أنهم يبالغون في تعسف الحقائق التي تؤكد أن اليمن، وحتى لحظة تلك الثورة، كان يعيش أسوأ حالة انسداد في الأفق السياسي، نتيجة تخبط النظام ومحاولته التشبث بالسلطة من جهة ومراوغة الداخل والخارج بفكرة الديمقراطية، صحيح أنه أنشأ مؤسسات ديمقراطية شكلية وهشة، لكنه لم يستطع مواصلة اللعبة كثيراً، لأن اللاعبين حينها والمشاركين في مسرحية الديمقراطية أرادوا أدوارا رئيسية أكبر وعائدا أفضل من العائد الذي كانوا يحصلون عليه، إضافة إلى تكاثر الأزمات الناتجة عن تغلغل الفساد، والفشل في معالجة الانتهاكات ضد الجنوب تراكمياً منذ العام 94م وتحول المطالبات الحقوقية إلى مطالب سياسية نحوالاستقلال والانفصال. إضافة إلى ستة حروب طاحنة ضد الحركة الحوثية، أنهكت الميزانية المخصصة للتنمية على قلتها باتجاه انعدامها تماماً. وهكذا كان البلد على موعد مع كارثة ستحدث عاجلا أو آجلا، لقد كانت الدولة تسير باتجاه السقوط على كل المستويات، وكنا فقط بانتظار لحظة سماع الدوي.
ربما كانت «ثورة فبراير» هي المخرج الملائم لكل القوى السياسية لإصلاح المسار السياسي والخروج بالبلد من هذا الإنسداد، ولكن لا النظام السابق أراد التخلي عن مصالحه الخاصة، ولا المغامرون من انتهازيي الثورة أرادوا التخلي عن طموحاتهم باتجاه وراثة مساوىء النظام السابق وإدارة دفة الفساد باتجاه آفاق أحدث.
لقد كانت الثورة نقية كنقاء قلوب الشباب الذين خرجوا إلى الشوارع حاملين رأية طموحاتهم باتجاه البلد المنشود في أحلامهم، ولكنها انصدمت بأمرين، الأول انتهازية القوى السياسية الساعية إلى السلطة ووراثة الفساد والآخر، ورغبة النظام القديم بالبقاء حقبة زمنية أخرى جديدة.
التعليقات