أن تكون متحدثا باسم حزب أو جماعة أو فئة فذلك ليس عيباً، طالما وأنت تنطلق في هذا الأمر من مبدأ، بحيث يمكن القول إن فكرة تلك الفئة هي فكرة الفرد نفسه ومن ثم فمن حقه أن يعبر عن هذه القناعات العامة التي تعد قناعاته هو أيضاً، وهنا لا يعد الصحافي موجهاً لأنه يعبر عن نفسه، وعن جماعته في الوقت نفسه.
بيد أن المشكلة الأكبر تتمثل بذلك الصحافي الذي يتغير ويتبدل تبعاً لإرادات أخرى، سواءً كانت هذه الإرادات لأفراد أو جماعات، بحيث يمكن ملاحظة تحول هذا الصحافي بلمح البصر، حتى لا يكاد المرء يدرك اللحظة المفصلية التي تحول منها من حالته الأولى إلى الثانية، بما يشبه تماماً التحويل المبرمج بواسطة آلة، لنقل الحالة من مسار إلى مسار آخر، ومن موقف إلى موقف مناقض.
قرأت مقالاً للصحافي نبيل الصوفي، الذي بقي مع علي عبدالله صالح، بكل تحولاته السياسية، ولكنه بدأ مرحلته «الصالحية» بعدما كان رئيساً لتحرير صحيفة «الصحوة»، لسان حال التجمع اليمني لـ«الإصلاح» (إخوان اليمن) ثم ساير وبرر لموقف تقارب صالح مع «الحوثي»، وعاش سنتي الحرب التي تحالفا فيها بمواجهة قوات عبدربه منصور هادي، و«التحالف العربي» الداعم له، ثم مرحلة الخروج من صنعاء والهجرة إلى أحضان قوات «التحالف العربي» في عدن، المقال بعنوان (المخا مرة أخرى)، حيث يسجل انطباعاته فيه عن زيارة المخا، والإطلاع على المدينة التي يديرها «التحالف العربي» وحلفاؤه من «المقاومة الجنوبية» و«التهامية»، وعبارة مرة أخرى تشير إلى زيارة سابقة له إلى المخا حين كانت تحت سيطرة «الحوثيين».
إن المخا هنا بالنسبة للصوفي هي الثابت الذي يستعرض لنا تحولاته، فهو يشرح، من دون إحساس بالذنب أو الأسف على تبدل مواقفه من النقيض إلى النقيض، ومن دون شعور بالأسى من تبريراته التي كان يسوقها، وكم يا ترى من الناس من ظلل عليهم بكتاباته وبرامجه، فانساقوا إلى خنادق «المليشيات» حتى اللحظة، إنه يظهر تحولاته من دون وازع من الأسف أو الاعتذار أو الشعور بالذنب.
ويمكن في هذه المساحة البسيطة أن نستعرض أهم ثوابت الصحافي الموجه وتحولاته، بناء على استعراض أهم نموذج حي للتحليل.
الثوابت:
1- قدرته على التبرير، حيث يسوق المبررات التي يحاول من خلالها إقناع الناس بمواقف خاطئه، فمثلا يسوق الصوفي تبريرا يمثل موقف صالح بالدرجة الأولى، وهو لماذا وقف صالح مع «الحوثي»، قائلا إن السبب هو أن «التحالف العربي» تبنى موقف «الإخوان» المعادي لصالح، في حين يقول إن موقف الحوثي من صالح كان لينا وإيجابياً، فكان عليه أن يختار «الحوثي» كبديل أفضل، بمعنى أن موقف صالح الذي هو الآن موقف الصوفي، لم يتم فيه الانضمام «للحوثي» إلا لأن صالح كان يخشى من «التحالف» الذي تبنى موقف «الإصلاح»، ولم يكن وقوفهم مع «الحوثي» من أجل السيادة ومحاربة العدوان كما روج سنتين كاملتين، ويا ترى كم من الضحايا قتلوا تحت ذلك المبرر؟ ومع أن الصحافي الموجه يجيد التبرير، لكنه يقع في شر تناقضاته من دون أن يعلم.
2- قدرته على التحول السريع والمفاجئ ومن دون أية مقدمات، ففي أثناء أزمة اليومين بين «الحوثي» وصالح قبل أن يتم قتله، كان كثير من الناس يراقبون حساب الصوفي في «تويتر»، ومع ذلك لم يستطيعوا أن يلمسوا موقفاً واضحاً للرجل، الذي تتناقض «تغريداته» بين الحين والآخر، ثم يفاجأوا به في عدن مع تبنيه خطاباً جديداً ومختلفاً عن سابقه.
3- عدم الشعور بالخجل من تقلبات مواقفه، وهذه ثابتة من ثوابته، إذ يستسهل أن يقع في الخطأ، وهو الخطأ الذي لا يعد شخصياً كونه مسؤولاً عن وعي الناس، فهو جزء أساسي في حملات تعبئة عامة قام بها ضد الناس، فكيف به يشعر بالسكون والتصالح مع نفسه، وقد أسهم في تضليل الناس وتوجيههم وجهة يراها الآن أنها كانت خاطئة، إنه ليس فقط عدم شعور بالخجل، ولكن أيضاً عدم أي إحساس بالمسؤولية أمام الإنسانية، التي كانت ستحتم عليه ترك العمل الإعلامي إلى الأبد، فهو ليس كاتبا عاديا بل جزءاً من حملة إعلامية مرافقة للصراع المسلح، والكلمة التي يكتبها تعد سلاحاً من سلاح المعارك.
هذا كله عن الثبات أما التحولات فيمكن إيجاز بعضها بالتالي:
1- مواقفه، فالموقف هو أساس تحولات هذا الصحافي، وليس موقفه هو ككاتب أو صاحب رأي وإنما موقف الجهة التي توجهه أو يكون هو مسؤولا عن توجيه الرأي العام لتبني مواقفها.
2- قاموسه، فالقاموس المستعمل هو أول ما يمكن ملاحظته في خطاب الصحافي الموجه، حيث تظهر مفردات جديدة وتختفي أخرى، وتصبح الكلمات التي كان يقولها جزءا من حقل مغاير يستعرضها لاحقا على سبيل الذكرى، فمثلاً الصوفي كان يسمى «الحوثيين» بـ«أنصار الله»، فعاد في مقاله الآخير وسماهم باسمهم «الحوثيين»، وكان يسمى قوات «التحالف العربي» بـ «العدوان» وهاهو عاد يسميهم بـ«الوجود العربي الرمزي، بقيادة السعودية والإمارات».
هذه لمحة موجزة عن الثابت والمتحول في قيم الصحافي الموجه، وعلى قدر استيعابنا لكل هذه التحولات، فالمطلوب هو أن يستوعب الناس كيف يمكن أن يبنوا قناعاتهم، ويدركوا أن مثل هذا النوع من الإعلاميين لم يستطع أن يشكل رأيه المستقل، فكيف يمكن أن نعتمد عليه لتشكيل وعي جمعي؟
التعليقات