لا يمكن لأي مراقب عن قرب للأوضاع السياسية في اليمن، ولطبيعة الأزمة التي تمرّ بها أن يخرج عن تحديد سبب ذلك في محورين اثنين، الأول هو محور الداخل ــ الخارج، والثاني محور الماضي ــ المستقبل. بمعنى أن طبيعة الأزمة قادمة من هذا الصراع بين طرفي كل محور، صراع الماضي مع المستقبل، وصراع الخارج مع الداخل.
صحيح أن صراع الماضي مع المستقبل صراع أزلي ومتجدد وموجود عبر كل الثقافات والأزمنة والأمكنة، وليس فقط في أزمة اليمن، لكن في أغلب الحالات يكون الانتصار لصالح المستقبل ضد الماضي وأدواته، بيد أن الأمر في اليمن مختلف، فكلما احتدم الصراع بين الماضي والمستقبل يكون النصر في الأخير للماضي، ذلك أنه يتمثل وجوده في الأنساق الفاعلة والضاربة في عمق المجتمع، في حين أن المستقبل موجود شكلاً لا مضموناً ولا محتوى لذلك ينهزم في النهاية وبسرعة، حيث يكون للماضي الضربة القاضية والمباغتة.
إنتصرت ثورة 26 سبتمبر الجمهورية بوصفها رمزاً للمستقبل، ولكن الإمامة هي التي ظلت تحكم واقعاً تحت ستار الجمهورية، وجاءت ثورة 11 فبراير الشبابية تنشد المستقبل، فانقلب عليها الماضي وأفشلها في الوقت الذي استغلها انتهازيو الماضي للاستفادة منها.
الأمر الآخر، وهو موضوع الخارج والداخل، فعبر تاريخ اليمن يتمثل استقراره واستقلاله بناء على طبيعة العلاقة التي تحكم طرفي المحور، فالخارج دائماً متورّط في التحكم بتسيير اليمن وحكمها، إما بصورة مباشرة كما حصل في القرون الماضية، من الأحباش إلى الفرس إلى العصور الإسلامية ودويلاتها المتتابعة وحتى الاحتلال العثماني ثم الإنجليزي، أو بصورة غير مباشرة كما هو الحال منذ الاستقلال والثورة في ستينيات القرن الماضي، من خلال الانخراط المباشر لتشكيل السياسة الداخلية من قبل الاتحاد السوفيتي وأمريكا والسعودية ومصر وغيرها.
حين نأتي إلى الأزمة الخانقة بدخان الحرب التي نعيشها الآن في اليمن سنجد العنصرين بكل ثقلهما هما المتحكمان بالمشهد، وكلما كان الوضع أكثر تعقيداً سندرك أن المتحكم الرئيسي هو الماضي والخارج، على حساب المستقبل والداخل. فالحرب الدائرة الآن هي في الواقع حرب بين رموز الماضي بكل تجالياته وبين رموز الخارج في أوضح صوره، ولا وجود للمستقبل ولا للداخل. وبتعبير آخر، إن هذه المعركة نتيجتها ليست في صالح اليمن في كل الأحوال، بغض النظر عمن سيكسب الحرب ففي الأخير سيفوز طرف من أطراف الماضي ووكيل من وكلاء الخارج.
أبشع ما يتم تصويره في الأسبوع المنصرم الترويج لأحمد علي عبدالله صالح، شخصية يتم الإعداد لها من أجل قيادة المرحلة القادمة، لا يمكن أبداً تصور هذا التواطؤ من قبل اليمنيين أنفسهم. فأحمد علي هو أحد أدوات الماضي، ويتم الترويج له وإعداده في الخارج، ليس له من المؤهلات إلا أنه بنى سلاحاً فتاكاً كان يسمى الحرس الجمهوري، لم يحرس الجمهورية وأصبح أهم أداة قاتلة بيد أعدائها.
نحتاج أن نتجاوز حالة العاطفة التي نعيشها وننظر بحياد تام من زاوية بعيدة، لننتصر إلى قيم المستقبل، ذلك أن الماضي يحاول أن يحتفظ لنفسه بامتيازاته تماماً كما يحاول الإنسان أن يحتفظ بعمره الذي تسرقه السنوات، ويحاول الخارج أن يحتفظ بمصالحه على حساب الداخل واحتياجاته ومصالحه، وينبغي علينا أن ندرك تماماً أنه لا يمكن أن نبني المستقبل إلا إذا كان الماضي مجرد أداة من أدوات المساعدة على تحقيق ذلك وليس أن يكون هو المتحكم الرئيس، وأن نكون على درجة من اليقين بأن الخارج وإن كان بألف نية سليمة لا يمكن أن يهتم بمصالح الداخل إلا كدرجة ثالثة بعد مصالحه. لا يعني هذا أن ننفي الماضي ولا أن نعادي الخارج ولكن أن يكونا جزءاً رديفاً ومساعداً للوصول إلى تحقيق السلام والتنمية.
التعليقات