غالباً ما تكون نتائج الحروب الأهيلة والصراعات الداخلية خسارات، والرابح الكبير في النهاية هو الإرهاب وأتباعه من قوى الشر والدمار والتخريب. بيد أن حرب اليمن نتيجتها مختلفة، فثلاث سنوات من الموت المجاني والدمار والتشرد وغياب الخدمات والمجاعة والأوبئة، وتحالفات الموت الداخلية والخارجية، نتيجة مختلفة، فالخسارة عمّت كل شيء تقريباً له صلة بهذه الحرب حتى الإرهاب نفسه، والمجتمع الدولي والإقليمي، ويمكن القول باختصار إن حصاد ثلاث سنوات من الحرب في اليمن هي خسارة الجميع دون استثناء.
إن أول هؤلاء الخاسرين هو الشعب المغلوب على الأمره، وهو الطرف الأضعف، والمستبعد أصلاً من سجل الربح سواء في حالة السلم أو في حالة الحرب، وأول خسارة له هي خسارة مستقبله حتى من الحلم والأمل، لقد فقد الكثير من الناس طموحهم بالتغيير إلى الأفضل وصار حلم الناس هو البحث عن ملجأ آمن يأويهم وأطفالهم من الموت.
تدمرت البنية التحتية المدمرة أصلاً، وصارت الخدمات الموجودة أشبه بأطلال لا وجود لها إلا على سبيل الذكرى، تدمر التعليم من حيث الشكل ومن حيث المضمون، وسيق الأطفال إلى جبهات قتال لاناقة لهم فيها ولاجمل. خسر الشعب سكينته الاجتماعية، وتم زرع أحقاد معمدة بالدم على سبيل تعزيز الثأر الموجود أصلا في اليمن الذي يعد من أكثر المجتمعات ارتباطا بظاهرة الثأر في العالم، وعلاوة على أن الثأر كان بين الأسر والقبائل، صار بين المناطق والحارات والأسر والتقسيمات الاجتماعية.
ثاني الخاسرين هو المؤسسات السياسية، لقد تم اندثار الحياة السياسية في اليمن وانتهاء مؤسسات الدولة تقريباً، كما تم تجريف الجماعات السياسية، فلا وجود لأي ثقل سياسي يمكن له أن يسهم في تعديل مسار الحياة السياسية في اليمن في المستقبل، وهذا على حساب وجود فاعلين بخلفيات دينية وقبلية أو فعاليات بارتباطات خارجية تؤدي أوارها كما هو مطلوب منها، لا كما تمليه عليها إرادة جماهيرها التي تمثلها أو كما تمليه عليها برامجها السياسية، لقد كانت هناك أحزاب وفعاليات سياسية، وكانت في الأصل فاقدة لمفهومها التنظيمي النموذجي، ولكنها كانت تؤدي أدواراً سياسية في المجتمع، لقد جاءت هذه الحرب؛ فخسرت هذه الأحزاب دورها لحساب أدوار أخرى لاعلاقة لها بالسياسة ولا بالسياسيين.
ثالث الخاسرين التحالفات الخارجية والداخلية المتورطة في الحرب، المراقب عن قرب لنتائج التحالفات التي داخلت طرفاً أساسياً في هذه الحرب سيلاحظ الخسارة الكبيرة التي تتعرض لها، لقد بدأت الحرب عملياً مع حصار القصور الرئاسية في صنعاء من قبل الحركة «الحوثية» التي تحالفت مع علي عبدالله صالح مطلع العام 2015، ولكن الحرب الشاملة بدأت مع «عاصفة الحزم» في 25 مارس في العام نفسه، حيث تم إعلان «تحالف» عربي بقيادة السعودية مع كل من الإمارات والبحرين والكويت وقطر ومصر والسودان والمغرب ودول أخرى، من أجل إعادة «الشرعية» إلى اليمن، وخلال هذه السنوات الثلاث تصارعت التحالفات فيما بينها، وكانت النتيجة صراع داخلي بين «التحالف» الخارجي انتهى بإخراج قطر، ووجود صراع مازال تحت السيطرة بين كل من الإمارات والسعودية، في حين اندثر تماماً التحالف الداخلي بين الحوثي وصالح، وانتهى بمقتل الأخير على أيدي حلفائه.
رابع الخاسرين الجماعات الإرهابية، ربما يقول قائل إن هذه قد تكون نتيجة إيجابية، ولكن أقول هنا إن خسارة الإرهاب بوصفها تنظيمات محددة وواضحة، فالإرهاب يخسر كجماعات منظمة وواضحة، ويتحوّل إلى إرهاب فوضوي، تماماً ككل شيء في اليمن، نحن نخسر لتربح الفوضى فقط، لقد كانت الجماعات الإرهابية واضحة ومحددة، ويمكن التعامل معها وإزالتها، وقد تمت مواجهتها لا سيّما في الجنوب، ولكن التعامل معها تم بالطريقة نفسها التي وجدت فيها تلك الكيانات، حيث اختفى التنظيم جسداً وبقي روحاً، اختفى فجأة كما ظهر فجأة، لقد خسرت التنظيمات الأرض والهياكل التنظيمية الظاهرة ومناطق السيطرة المادية، وتحولت كما كانت إلى منظمات سرية وغير مدركة، لتعود إلى عملها كما كانت في السابق.
وحيثما فتشت في كل شيء في اليمن بعد هذه الحرب لن تجد سوى الخسارة، الخسارة من منظور الباحث عن فائدة ترجى للناس وللمستقبل ولهذا الشعب الذي يستحق حياة أفضل، فهل يعي الفاعلون الرئيسيون هذه الحقائق، وأن السنة الرابعة أو الخامسة ستكون خسائرها عليهم وعلى الشعب أكثر فداحة، فالحرب تجر إلى الحرب والموت إلى موت أكثر بشاعة.
التعليقات