حين نبحث مشكلة الإرهاب، فإننا نبحث في البداية عن جذور هذه الظاهرة في أسسها الفكرية، تلك الأسس التي تغذي الظاهرة، وتجعل معتنقيها يتحولون من عناصر سوية في المجتمع إلى عناصر قابلة للموت، وقابلة لقتل وتدمير الآخر، ذلك الآخر الذي يتم تشكيل هويته في وعي الأرهابي بناء على مواصفات معينة يتم تغييرها بين حين وآخر. إذ غالباً ما يتم تحديد العدو اعتماداً على معايير عائمة، تتحكم بتشكيلها عدد من المصالح التي يتبناها هذا التيار أو ذلك، فقد يكون العدو أمريكا، وقد يكون إسرائيل، وقد يكون إيران، وقد يكون الإمبريالية، وقد يكون الحكومة، كما قد يصل الأمر ليكون هذا العدو هو المختلف معه ولو بتفاصيل التفاصيل من داخل التيار نفسه.
باعتقادي أن حل المشكلة الفكرية للإرهاب تستدعي التعامل مع قاموس هذا الإرهاب، فاللغة هي الوعاء التي يحوي مختلف المضامين داخله، وهي الأداة الأولى المسؤولة عن تشكيل وعي الإرهابي ومن ثم توجيهه وجه موت معينة. ومن خلال تعاملنا على سبيل المثال مع الإرهاب في اليمن، يمكننا أن نصوغ السؤال التالي: هل للإرهاب في اليمن «قاموس» لغة خاص؟ أم أنه يتشارك مع الآخرين القاموس نفسه واللغة نفسها، ولكنه يختلف معهم في تركيب هذا الوصف على هذا الحدث، أو هذا الاسم على هذا المسمى؟
إن مراجعة تسجيلات وبيانات وخطابات وأناشيد «القاعدة» أو «داعش» على سبيل المثال في اليمن لن يجد أي اختلاف عن استعمالها في أي تيار ديني آخر، أو حتى تيار سياسي، الجميع يتشاركون القاموس نفسه، ولكن يختلفون في تفسير دلالة هذا المصطلح.
إن أول مصطلح يتم استعماله من قبل المنظمات والجماعات الإرهابية هو «الجهاد»، و«الجهاد» هو الحرب أو القتال المقدس ضد الأعداء، وبحسب الدلالة الدينية، فـ«الجهاد» فرض عين على كل مسلم قادر على حمل السلاح، ولكن المنظمات الإرهابية تحدد من هو المستحق بهذا الجهاد، إذ ترى أن الجهاد واجب على الحكومة لأنها «مرتدة»، وعلى «الحوثيين» لأنهم (شيعة وروافض)، «الجهاد» يتم استعماله أيضاً من قبل «الحوثيين» الذين يصفون قتالهم ضد «التحالف» وقوات هادي بأنه «جهاد»، وبأن مقاتليهم «مجاهدون»، والقوات الحكومية تصف أعمال القتال ضد «الحوثي» بأنها «جهاد». وهكذا لدينا كل طرف على الرغم من تناقضهم يستعلمون هذا المصطلح ذاته، ليتخذوا من ثقله الديني أداة لتقوية حجتهم بعدالة ما يصنعون ومن ثم يكسبون أكبر قدر ممكن من المقاتلين الراغبين في «الجهاد».
أما ثاني مصطلح يتم توظيفه هو «منافق» أو «مرتد» كمصطلح يعطي قائله الحق بأن يقتل المختلف معه؛ لأنه «منافق أو مرتد»، وهي صفة كفيلة بإهدار دمه، وفي المقابل، فإن القوات الحكومية أو مقاتلي «الحوثي» يستعملون هذه المصطلحات ذاتها لوصف أعدائهم، مستغلين هذه الحمولة الدينية التي تحملها الكلمة، فبجهل الناس ينساقون تحت تخديرها من دون نقاش.
المصطلح الجديد الذي يتم استعماله من قبل الأعداء المتشددين، هو مصطلح «إرهابي»، فقد تحولت الكلمة لتتخذ منحى مشابها لمناحي التعامل مع المصطلحات السابقة، ففي بعض الأحيان يتطلق لفظ «الإرهابي» ويقصد به المختلف معك، بغض النظر عن طبيعة هذا الاختلاف، وهو توصيف للاختلاف ولضرورة التخلص من هذا «الإرهابي»، بمعنى أن إطلاق التسمية ليست للتوصيف فحسب بل وتحمل رسالة باتجاه الموت أيضاً، وهو ما يفتح سؤالا آخر، من هو «الإرهابي»؟ ومن المسؤول عن تحديد «الإرهابي»؟ إما أن يترك نهبا للتفسيرات المزاجية، فالأمر أشبه بترك «قاموس الجهاد»، و«المنافقين» نهبا للجماعات «المتشددة» للتحكم بها كيفما يشاؤون.
إن المستقبل النقي الذي ينبغي أن نسلكه من أجل النجاة، يحتاج الوضوح والشفافية والابتعاد عن المصطلحات ذات التفسيرات المائعة التي تجيز لأي طرف توظيفها ضد المجتمع نفسه، القتل هو القتل، ومتى ما استعملنا كلمات بديلة لتوصيفه، فإننا في هذه الحالة نعطي الفرصة للمتربص بنا أولاً بأن يستعمل هذا «القاموس» ضد المجتمع، وضدنا في آخر المطاف.
التعليقات