تابعت كغيري من اليمنيين ردود الفعل على اغتيال رجل الدين الشاب عمر دوكم، في مدينة تعز الأسبوع الماضي، وهو خارج من مسجده، على مرأى ومسمع من الجميع، توفي بعد أن بقي حياً عدة أيام، يصارع جراحه من الرصاصات القاتلة التي توجهت إلى صدره وصدر من كانوا إلى جواره خارجين من صلاة الجمعة.
ما يلفت الانتباه في هذا الأمر هو ذلك الكم الهائل من ردود الفعل الغاضبة ضد هذا الحدث، ومن كل التيارات والمستويات والأحزاب، لقد استنكروا فعل الاغتيال بحق رجل الدين، في تجاوز إيجابي لحساسية التصنيف وتنبيه من مغبة الاستمرار في هذا الفعل الذي يستهدف المجتمع، بكل أطيافه وتنوعه، فمن يقدم على قتل رجل دين، يجمع الناس على أنه يمثل الصوت الوسطي في خطابه، وفي توجهه، وفي تعامله مع الناس بمختلف مسمياتهم، فإنما بكل تأكيد يحمل هدفاً أبعد من مستوى تصفية الحسابات أو التخلص من الرجل لذاته، وإنما هناك أهداف خفية لا يمكن لأحد أن يستطيع التنبؤ بشكلها ولا بمستواها.
وقبل هذا الاغتيال تم اغتيال رجل الدين الحبيب عيدروس بن سميط، في مدينة تريم في حضرموت، برمزيتها الدينية والإنسانية والوسطية في الخطاب الديني، وهو ما يجعل رسالة الاغتيال سواء في تعز أو في حضرموت تحمل المستوى نفسه، وهو القضاء على الصوت الوسطي في الخطاب الديني، ولكن السؤال هو لحساب من؟ هل لحساب صوت ديني أكثر تطرفاً؟ أم أن هناك جهة تسعى إلى تصفية رجال الدين بشكل عام على غرار شيوعية القرن الماضي؟ أو بهدف تثبيت فكر مجتمعي وأيديولوجية جديدة لا سلطة فيها لرجال الدين؟
لقد تحول الاغتيال في اليمن إلى حدث عابر، وموضوع يومي يشبه بقية الموضوعات من قبيل انعدام الغاز، وانقطاع الكهرباء، وغلاء الأسعار، وعدم وجود مرتبات، الاغتيالات في اليمن صارت جزءا من المعاناة اليومية، ولكنها مع اغتيال عمر دوكم، وقبله عيدروس بن سميط، أخذت منحى مختلفا تماماً، ذلك أن الرجلين لا يمثلان صوتاً حزبياً ولا جهة سياسية ولا جزء من الصراع الحالي، لا شيء يربطهما بالحرب ولا بما يجري فيها؛ إلا أنهما ينتميان إلى هذه الجغرافيا، مع امتلاكهما خطاباً دينياً متجاوزاً لفكرة التصنيف أو التحيز أو التعصب أو القتل وسفك الدماء، فمن لا يغتالهما لذاتهما إنما يفعل ذلك من أجل اغتيال منهجية الوسطية التي يمتلكانها.
ومادام دوكم وبن سميط، ليسا طرفين في حلقة الصراع الدائرة في اليمن، فهذا يعني أن القاتل لا يحمل أجندة محلية ضد الرجلين لذاتهما، وإنما هناك أجندة لأيديولوجيات طارئة هي التي تتحكم بالأدوات المحلية، وتسيرها باتجاه العنف في تعز وحضرموت وعدن، من أجل إفراغ المجتمع من أصواته الحرة، ومحاولة زرع أصوات جديدة، تثبت أيديولوجية جديدة، لا أحد يستطيع أن يتكهن بملامحها ولا بأبعادها؛ إلا أنها تحمل رائحة الموت وصورته.
إن بيئة التطرف تخدم العدو، حتى لو كان هذا التطرف مناقضاً له أو معادياً له، ذلك أنه يعطيه المبرر من أجل الاستمرار في مقاومة عدو واضح وجلي، في حين أن الخطاب الديني المعتدل –في بلد يسيره الخطاب الديني- هو العدو الحقيقي، حتى لو لم يبد أية ردة فعل ضد أي جهة، لأنه يعمل على تحييد المجتمع عن الانحياز إلى أطراف الصراع، ويفقد المعتدي حجة استمراره في القتال.
التعليقات