يعرف الإنكار في علم النفس، بأنه عدم القدرة على الاعتراف ومواجهة الحقيقة الواقعة. وهو آلية يستعملها الشخص للدفاع عن ذاته ضد القضايا التي ﻻ يستطيع التعامل معها لتجنيب نفسه المعاناة النفسية التي قد تنجم عن المواجهة، وهذا يتطلب توظيف طاقات نفسية واستعمال آليات دفاع أخرى ﻹبقاء الحقيقة المؤلمة خارج الوعي؛ رغم توفر اﻷدلة الدامغة على وجودها، وغالباً ما تكون هذه الحالة ذاتية بوصفها سلاح فردي حين تنعدم الوسائل الأخرى لمواجهة تلك الحقيقة، ولكن قد تكون حالة الإنكار هذه حالة عامة، وتتحول إلى حالة انكار اجتماعي، حيث يقوم المجتمع بإنكار المشكلات التي يعاني منها، وبدلاً من أن يعترف بها ويبحث عن الحلول المناسبة لمواجهتها والقضاء عليها، يقوم بالدفاع عنها والمغالطة ذاته والبحث عن المخارج التي تساعده على طمس تلك الحقيقة أوالتهوين من خطرها.
كشفت البرامج الرمضانية في هذا الشهر فاعلية الإنكار الاجتماعي وأخذه طابعاً عاماً يمكن القول معه إن المشكلة أعمق من أن نستطيع حلها بسهولة، تمثلت الحادثة الأولى في رفض واستهجان وغضب الكثير من اليمنيين بعد عرض مسلسل «بلوك غشمرة» بطولة عبدالناصر درويش، وحسن البلام، على القناة الكويتية الأولى، والذي عرض في أحد فقراته فقرة كوميدية لجلسة فنية بصوت أحد الفنانين اليمنيين، ولكن تم تقليد جلسة القات المصاحبة بلمسة كوميدية مستمدة من واقع اليمنيين وجلسات القات الفنية.
أما الحادثة الأخرى فهي ردود الفعل الساخطة والمناصرة التي صاحبت الحلقة الأولى أيضاً من برنامج «عاكس خط» الذي يقدمه محمد الربع، على قناة «يمن شباب» والذي سخر فيها من أتباع علي عبدالله صالح، والذين اختفوا فجأة ولم يعد يسمع لهم حس بعد مقتله.
الأمر الذي يجمع الحادثتين هو أن كليهما تناولا قضيتين أحدهما اجتماعية والأخرى سياسية، ولكن من جانب ساخر، لم يخترع «غشمرة» ولا «عاكس خط» الأحداث، ولا هي من نسج الخيال، وإنما هي انعكاس للواقع، كما هو وربما يكون الواقع أسوأ من ذلك بكثير.
على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي «الفيسبوك» تناول الكاتب حسين الوادعي، ظاهرة القات وتعاطيها على مستوى عام، منتقداً هذه الظاهرة وكما يسميها إدمان جماعي، معتبراً أن هناك في المجتمع كثير من الأشياء ينبغي أن تظل في إطار الخصوصيات التي لا ينبغي الاستعراض بها كما يفعل الكثير من اليمنيين أو كما يسميهم الموالعة، والذين يتباهون بصورهم وهم يتعاطون القات وفي مشاهد لا يتقبلها المشاهد من غيراليمن، وما فعله برنامج «غشمرة» هو فقط قام بمشاهدة الفيديو نفسه والمعروض لهذا الفنان على «اليوتيوب» ثم أعادوا تمثيلة بصورة كوميدية.
لكن التعليقات لم تقف عند حد الاعتراض، بل ذهبت باتجاه مهاجمة الكويت والكويتيين، معتبرين أن الموضوع إهانة شخصية لليمنيين، وإذا كان كذلك فإن الفيديوهات والصور وكل استعراض بمشاهد القات وجلساته أكبر إهانة لليمنيين.
وهو الأمر نفسه مع برنامج «الربع»، فأنصار علي صالح لم يستوعبوا ما حصل، فذهبوا باتجاه الهجوم على برنامجه وعلى قناته وعلى المحتوى، معتبرين البرنامج «إهانة» لصالح، مع أنه لم يتناوله بأي إهانة، وإنما حاول أن يعلب على قضية خذلان مناصريه الذين كانوا يقولون سيفدونه بالملايين، لا سيما المشايخ والمستفيدين وقادة الجيش، وكل منا استفاد في فترة حكمه.
في كلا الأمرين من يرفض الرضوخ إلى الحقيقة فإنه يعيش حالة الوهم والإنكار، لا يمكن للمكابرة ورفض الحقيقة أن تقدم نتيجة، فالقات ليس ظاهرة ومظهراً سيئاً فحسب، بل هو مشكلة حقيقية في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والنفسية، وعلى من ينكر ذلك أن يدرك أنه يعيش حالة نفسية تستدعي العلاج، كون القات مشكلة هذه حقيقة تتفوق على كل مبرر، ولا يمكن للصمت عنها أن يلغيها، وكذلك ماحصل مع «المؤتمر» والتواطؤات التي جعلت كل شيء يتلاشى في لحظات ويتحول إلى لا شيء.
التعليقات