أكثر من خمسة أعاصير في أقل من ثلاث سنوات، وكلها تمر في طريقها إلى اليابسة عبر سقطرى، سواء اتجهت تلك الأعاصير إلى الصومال أو إلى سلطنة عمان، فإنها تطحن سقطرى في طريقها، هذا بالطبع في الوقت الذي مازالت فيه هذه الجزيرة النائية تعيش بإمكانات العصور الوسطى من حيث الخدمات العامة ومن حيث منازل المواطنين أيضاً.
إنها تعيش حرباً من نوع آخر، فعلى الرغم من وقوعها خارج خارطة معارك الحرب الأهلية اليمنية، فإنها واقعة تحت التأثير المباشر لهذا الصراع عبر عزلها عن العالم أولاً، ومن ثم انعدام الخدمات اللازمة للسكان، وأخيراً التوظيف السياسي للمتصارعين عليها، لتظل في هامش هذه الحرب، تعيش معاركها وتتألم بصمت، وحين تواجه هذه الأعاصير القاتلة فإن الانتهازية السياسية تجرها أيضاً إلى حلبة الصراع السياسي مستغلة كل شيء فيها حتى جراحها.
خمسة أعاصير تزور سقطرى منذ العام 2015، وهو تجسيد واضح لمعنى أن تدفع هذه المناطق المحافظة على نقاء طبيعتها، ثمن الاحترار العالمي والتغير المناخي الذي تتسبب به المناطق الحضرية من العالم، ويبقى على المناطق البكر في الطبيعة أن تحافظ على ما تبقى من توازن لمناخ الأرض وأن تدفع أيضاً ثمن بقائها محافظة على فطرتها دون تدخل لأيدي البشر، ولكنها تظل عرضة للدمار بسبب هذه الكوراث التي لاترحم. كما أنها تعاني ثمن عدم دخولها الحرب، فتظل في خلفية المشهد تتفرج فقط في حين يتنازع المتحاربون اسمها ويتركونها تنزف، باختصار يمكن القول: إن العالم في الداخل والخارج تخلى عن سقطرى، وها هي تدفع الثمن نيابة عن الجميع.
صور مؤذية للمشاعر الآدمية أن ترى صور الدمار ومن بين الركام ترتكز شعارات السياسة التي تبعد عن سقطرى مئات الأميال، فما أن بدأت الأمطار تنحسر حتى بدأ اشتغال التوظيف السياسي وعلى صور مختلفة، حيث انبرى مناصرو الإمارات بعرض الآليات التي بدأت تتوشح علم الدولة محاولة فتح الطرق، وفي الجانب الآخر علم المملكة العربية السعودية، وهو على عربات توزع بعض المساعدات للسكان، فيما ينشر آخرون صوراً لعناصر من هذا الفصيل السياسي، فيرد عليه فصيل سياسي آخر ناشراً صور مناصريه وهم يتفقدون أحوال الناس.
الأمر لا يظل عند هذا الحد، فمن تحليل خطاب هذه الرسائل تكتشف أن الاستغلال السياسي لتلك الأجندات المتصارعة هو الهدف الأساسي، فيما تظل خدمة سقطرى وأهلها مجرد وسيلة فقط، أو شعار للوصول إلى غاية ما في أنفسهم.
تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي بنموذج الصراع السياسي الراقص على كارثة إعصار سقطرى، حيث يحتدم إعصار من نوع خاص لا ينظر إلى آلام الناس بقدر ما ينظر إلى ما يمكن أن يستفيده من هذه الكارثة، في انتهازية مريعة تحطم في طريقها كل معاني الإنسانية، ويمكن لمسح سريع على «الفيسبوك» أو «تويتر» للمنشورات التي تناولت سقطرى، أن يبين أن أكثر من 70% من تلك المنشورات ذات غرض دعائي، وإنها تحمل رسائل سياسية تخدم أجندات لاعلاقة لها بسقطرى ولا بآلام أهلها.
التعليقات