تحالفات الضرورة تكشفها المعارك الجانبية، التي تبدو بين لحظة وأخرى، كاشفة الجوانب المظلمة من الاتفاقات أو التواطؤات، التي قد تتحول إلى معارك مسلحة في لحظة ما. يمكن القول إن المعارك ضد سلطة صنعاء، بقيادة «الحوثيين»، لها جبهتان رئيسيتان، الأولى الجبهة الشرقية، والتي تضم مختلف القوات المسلحة التي تتولاها قيادات تدين بالولاء لعلي محسن الأحمر ومن معه من حلفائه الإسلاميين. كما أن هذه الجبهة مدعومة من المملكة العربية السعودية، وإن كانت هناك خلافات بين الطرفين فإنها أقل من أن يتم رصدها، وعلى الرغم من ذلك، فإنها أكثر جبهة ساكنة ولم تسجل أي تحرك يذكر منذ سنتين. والجبهة الثانية هي الجبهة الغربية، أو ما يطلق عليها «جبهة الساحل الغربي»، والتي تتضمن ثلاثة تيارات رئيسية ومتباينة، التيار الأول هو تيار المقاومة الجنوبية، والتيار الثاني هو بعض شخصيات المقاومة التهامية، والتيار الثالث يمثله المسلحون الذين يتبعون القيادي طارق صالح، الذي يسعى من أجل الانتقام من مقتل عمه، وما يجمع هذه الأطراف الثلاثة، ليس عداوتهم للحوثيين فحسب، ولكن القيادة الإماراتية لهذه الجبهة، وهي التي تعمل على ضبط إيقاع الخلافات الكبرى بين هذه التيارات الثلاثة.
المراقب لمجريات الأحداث في ساحل البحر الأحمر، يمكنه أن يتأمل ثلاثة خطابات مختلفة، تضمر كل منها العداء للآخر، وهذا يجعل باب الخوف مشرعاً على احتمالات أن تتحول هذه الخلافات السياسية إلى معارك مسلحة تلتهم في طريقها أخضر الإنسان ويابسه.
تأسست المقاومة الجنوبية، رد فعل طبيعي على الغزو الثاني الذي مارسه الشمال ضد الجنوب وأهله، وتكونت هذه القوات بدعم ورعاية من الإمارات العضو الثاني في التحالف، ولكن ما أن بدأت هذه القوات بالتحرك تحت علم الجنوب خارج جغرافيته، فإنها قد سجلت إشكالية قانونية وأخلاقية على أداءها، إن المأزق الذي تقع فيه هذه القوات أنها الآن مضطرة أن تقاتل وتتعامل مع أشخاص كانوا عنصراً أساسياً في قتلهم وقتل أهلهم في العام 2015، كما أن المأزق الآخر أنها تقاتل باسم المقاومة الجنوبية خارج حدود الجنوب، وهو ما يجعلها في هذه الحالة إما أداة بيد غيرها، أو عنصر احتلال جديد. ليس مسوغاً القول إنها جزء من التحالف، لأنها لا تقاتل باسم الجيش الجنوبي حليفاً في هذه الحرب، ولكن توصيفها القانوني قوات مقاومة كان هدفها تحرير الجنوب من المحتلين، وهي الآن تقاتل مع قوات تحمل إلى جانبها علم اليمن الذي قاتلت هي من أجل رفضه ومن أجل الاستقلال عنه.
يتضاعف الخوف من مضاعفات هذه التحالفات المريبة في مرحلة ما بعد انتهاء المعارك، وفيما إذا تمت السيطرة على الحديدة فإن الوضع يبدو مخيفاً، ذلك أن هذه الخلافات الشكلية أو الظاهرية، سوف تتحول إلى أدوات قاتلة، يتم من خلالها تصفية الحسابات بين بعضهم بعضاً، ومحاولة فرض أجندات خاصة بكل طرف، ومن يمر سريعاً الآن على مختلف خطابات هذه المعارك الجانبية سوف يكتشف حدة النيات المبيتة بالموت، إذ يبدو حقيقة لا محالة، إلا إذ تم الاتفاق على مبادئ أساسية تحفظ حق الجميع، وأن تتحول كل هذه الخلافات السياسية إلى مجرد أدوات فاعلة تحت إرادة واحدة هي إرادة الناس وخدمتهم، وهذا الأمر يبدو مستحيلاً تقريباً.
التعليقات