كما يحدث منذ أكثر من عامين، جلبت السعودية - خلال ما عُرف بحروب الثورة في ستينيات القرن الماضي - مرتزقة محترفين من معظم الدول الغربية، لمهمات التدريب والتخطيط والقتال في صف 'الشرعية" (الإمامة حينها)، ضد قوى "الإنقلاب الثوري" الجمهوري الوليد في اليمن حيذاك.
ديفيد سمايلي، أو داود اسماعيل، كما كان يحلو لبعض اليمنيين مناداته، كان من أبرز وأهم هؤلاء، بل ربما لن تجد مرتزقاً آخر أكثر وعياً ومكاشفة بطبيعة عمله، ودقة وبراعة في التعبير عنه من هذا الكولونيل البريطاني، وبالشكل الذي يعكسه كتابه "مهمة في الجزيرة العربية".
الكتاب* قصة شائقة عن نشاط سمايلي خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، مرتزقاً مع الأنظمة ضد العصابات والمتمردين، ثم مع العصابات والمتمردين ضد الأنظمة، في أكثر من دولة في الجزيرة العربية.
خلال تلك الفترة، عمل سمايلي مرتزقاً ضد السعودية ثم معها. في الجزء الأول منه، يروي الكتاب كيف حارب مؤلفه مع النظام العماني ضد المتمردين الذين كانت تدعمهم السعودية في الجبل الأخضر ضد سلطان عمان، كما يحكي الجزء الثاني كيف حارب مع المتمردين الذين تدعمهم السعودية في اليمن ضد النظام الجمهوري والقوات المصرية.
كمرتزق لم يجد صفة أخرى ليعبر بها عن طبيعة عمله، لم يستنكف سمايلي عن إطلاق هذه الصفة على نفسه وزملائه، بل يصف نفسه بقائد المرتزقة، مضيفاً: "كانت السعودية ولي نعمتي... ولذلك كنت أنا نفسي مرتزقاً بالمعنى الكامل للكلمة".
لكن، ورغم كل شيء، يمكن ملاحظة أن الرجل كان يتحسس في أعماقه من صفة الإرتزاق، بدليل أنه توقف مطولاً ليشرح أبعادها، كمن يرفع الحرج عن نفسه وعنها، مستشهداً بتعريف قاموس اكسفورد للمرتزق: "مقاتل مأجور في خدمة قوى أجنبية"، مشيراً إلى أن هذا المفهوم ينطبق على فرسان رائعين قاتلوا مرتزقة في بلدان بعيدة مثل الجوركا والجنرال جوردون وجلوب باشا، مما يسعده أن يكون منهم.
لا يلبث المؤلف أن يؤكد أن الإرتزاق مهنة، وككل مهنة لها شرف، وشرف الإرتزاق لديه يتمثل بشيئين:
- الموقف من الوطن.
- والسلوك الشخصي.
في ما يتعلق بالموقف من الوطن، يرى سمايلي أن شرف الإرتزاق يتمثل حصرياً بأن يعمل المرتزق لمصلحة بلده، أو على الأقل لا يعمل ضدها، وفي حالته كان يرى أن القتال مع السعودية يصب في مصلحة بريطانيا، لأن القوى الجمهورية والقوات المصرية في شمال اليمن تهدد المصالح البريطانية في الجنوب.
هذا الأمر قد يلقي مسحة من النبل على نشاط سمايلي، خاصة في حال المقارنة بمرتزقة لا يكتفون بالعمل ضد بلدانهم في الداخل، بل يحاربون في مناطق حدودية ضد بلدانهم دفاعاً عن أراضي العدو والعدوان!
من ناحية السلوك، يشير المؤلف إلى أن سلوك المرتزقة في بعض المناطق شوّه سمعة الإرتزاق، بما قد يلفت النظر إلى سلوك المرتزقة الحالي في اليمن، في ما يسمونها الآن المناطق المحررة، حيث اللصوصية بأحط صورها، والجريمة بأبشع أشكالها، والنزق واللاأخلاقية جزء من الروتين اليومي لهذه المناطق.
لكن سمايلي كان يقصد بهؤلاء الذين أساؤوا بسلوكهم إلى شرف المهنة، مرتزقة فرنسيين وبلجيكيين كانوا حينها يتنقلون بين الكونغو واليمن، كانوا يستلمون أجورهم بانتظام في اليمن الخالية من الخمر والنساء، ولا يستلمونها في الكونغو بلد اللذات، ولذلك كانوا يستلمون أجورهم في اليمن ويطيرون بها إلى الكونغو ليتمتعوا بالملذات المتوافرة هناك.
يتبع.
* «مهمّة في الجزيرة العربية»، ديفيد سمايلي، ترجمة حامد جامع، إتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، بيروت، الطبعة الأولى، 1989م.
التعليقات